رواية هيبه الفصل الحادي وعشرون والثانى وعشرون والثالث وعشرون والرابع وعشرون والخامس وعشرون بقلم مريم محمد غريب حصريه وكامله جميع الفصول
رواية هيبه الفصل الحادي وعشرون والثانى وعشرون والثالث وعشرون والرابع وعشرون والخامس وعشرون بقلم مريم محمد غريب حصريه وكامله جميع الفصول
21
_ وعد نافذ! _ :
دخلت "ليلى" إلى البيت تتقدّم بخطى هادئة.. متشبّثة بذراع "نديم" كما لو أن بها ما يوشك أن يفرّ منها إن لم تتعلّق به ..
الأجواء في الداخل ساكنة، وشيئًا من رهبة الغياب كان لا يزال معلّقًا على جدران المكان، وكأن البيت نفسه كان ينتظر عودتها ..
في صدر غرفة الجلوس، كان "مهران" يجلس، يُقلّب في جريدة لا يقرأها فعليًا ..
وما إن وقعت عيناه على ابنته حتى انتفض واقفًا، ابتسم ابتسامة عريضة تآكلت أطرافها من شدة شوقه لها ...
-ليلى! .. هتف "مهران" بلهفةٍ:
-حمدلله على السلامة يا حبيبتي ..
هرع إليها كمن يستردّ عمرًا ضاع، فتح ذراعيه واحتواها في احضانه طويلًا، تسرّبت محبته إلى قلبها كدفء ناعم، برغم قساوة الشتاء العالق في صدرها لجفاء أمها معها منذ صغرها ..
قال "مهران" وهو يبعدها قليلًا ينظر لوجهها:
-بس إيه الحلاوة دي واللون البرونزي الجميل؟ دي الغردقة عملت فيكي شُغل كبير أهو!
وغمز لها ..
تبتسم "ليلى" بتعبٍ قائلة:
-دي حلاوتك انت يا بابي.. وحشتني أوووي.
كان "نديم" يقف إلى جوار باب الغرفة، يستند إلى إطاره الخشبي، يراقب المشهد بصمت ..
يداه في جيبيه، ونظراته تزن اللحظة بكاملها، بعين رجل صار مسؤولًا عن هذا الكائن المُتعب أمامه، عنها وعن طفله الذي تحمله بأحشائها دون أن يملك رفاهية إعلان ذلك ..
التفتت "ليلى" برأسها تجاه الزاوية المقابلة، حيث جلست "مشيرة" والدتها، تمسك بكوب شاي لم ترتشف منه بعد ..
عيناها تتجنبانها، كما لو كانت عودة "ليلى" عبئًا تناسته في بُعدها، لكنه عاد من جديد إليها ..
تردّدت لحظة، ثم مشت بخطى ثابتة نحوها وهي تقول بصوتٍ منخفض:
-إزيك يا مامي!
ردت "مشيرة" دون أن تنظر لها:
-الحمد لله.
وحانت من "مشيرة" نظرة خاطفة قلقة نحو "نديم" الذي رمقها بنظرة قوية، قرأت في عينيه حدة تحذرها من إساءة معاملة "ليلى" ..
لكنها في الحقيقة لم تهتم، كالعادة غلب عليها حقدها، وكراهيتها العظيمة تجاه تلك الفتاة الدخيلة على حياتها لسنواتٍ ..
وضعت "ليلى" يدها على كتف أمها، لم تُقبّلها، لم تحضنها حتى، كانت تعرف أن أكثر من ذلك سيكون تمثيلًا مفضوحًا، وأن الأمومة أبعد شعور تكنّه "مشيرة" لإبنتها الصغيرة.. وتتمنّى أن تعرف السبب!
عادت "ليلى" خطواتها إلى منتصف الصالة، تنظر إلى "نديم". تلمح في عينيه ذلك الاتفاق الصامت ..
هما هنا الآن، والسر الذي يحمله كلاهما أثقل من الجدران، لذلك لم تتحمّل "ليلى" المكوث بينهم طويلًا وقالت ناظرة نحو أبيها:
-أنا هاطلع أفضي شنطتي وأخد دُش وراجعالك تاني يا بابي.
مهران بابتسامٍ عريضة:
-أوكي يا حبيبتي.. أطلعي شوفي هاتعملي إيه وريّحي شوية. بس هاتنزلي تتعشّي معايا عشان وحشتيني جدًا. مش هاتعشى من غيرك.
أومأت له: حاضر.
ومالت صوبه تقبّله على خدّه برقة ..
ثم سارت إلى خارج مارّة بجوار "نديم".. منحها نصف ابتسامة قبل أن ينظر إلى عمه ..
أشار "مهران" إلى "نديم" قائلًا:
-تعالى يا نديم يابني.. تعالى أقعد أرتاح. انت كمان واحشني جدًا حاسس إني بقالي سنة بحالها مش شايفك انت وليلى.
نديم بابتسامة خفيفة:
-انت كمان واحشني يا عمي. كلكوا واحشنّي.. بس معلش هانقعد في المكتب. أنا عاوزك في موضوع مهم.
لم يستطع "مهران" منع دفقات القلق من التسرّب في أعماقه، كان يخشى ما يوشك "نديم" على إخباره به، كان يخشى من أن الأمر متعلّقًا بعائلة "ليلى" ..
لقد وعده "نديم" بالحلّ النهائي لتلك المعضلة!!
انسلّ "نديم" بخطى موزونة إلى جوار عمّه، كأن بين خطواته وزنًا لا يُرى، ثقيلًا، لكنه لا يُسمع، حتى دلفا إلى غرفة المكتب ..
جلسا هناك قبالة بعضهما، وساد صمت قصير، قطعه "نديم" بلهجةٍ هادئة:
-أنا قررت أطلّق راندا يا عمي.
هبطت المفاجأة على "مهران" قوية، ليردد غير مصدقًا:
-نعم؟!
بتهزر؟!
نديم بجدية: لأ مابهزرش.. الموضوع منتهي جوايا من زمان.
مهران وهو ينحني للأمام:
-دي مراتك يا نديم. وشريكة عمرك إللي انت اخترتها محدش اخترهالك.. فجأة كده؟!
نديم بنظرة مباشرة بعينيّ عمه:
-فجأة بالنسبالكم. لكن أنا بقالي شهور عايش في زيف. وإللي بيني وبينها مات من بدري.. كل إللي باقي شوية مشاعر من ناحيتها لكن أنا عمري ما حسيت ناحيتها بأي حاجة. وانت عارف أنا اتجوزتها ليه من الأول. ده كان جواز مصلحة زي ما بيقولوا.
سحب "مهران" نفسًا عميقًا، ألقى بجسده إلى الوراء وكأنه يحاول الاتكاء على أيّ شيء ثابت في هذا الزلزال المحيق بالعائلة ..
فخسارة صهر كـ"منصور نعمان" تُعد كارثة، كان يُمثّل السلطة والجاه المُكمّل لمركز عائلة "الراعي" ومكانتهم بالمجتمع ...
-يعني قرارك نهائي؟ .. سأله "مهران" باقتضابٍ
نديم بحسم: نهائي.
مهران بمرارة: طيب. ليه؟ ليه يا نديم؟ في سبب غير إن إللي بينكم مات زي ما بتقول؟ دي حاجات ممكن تتعالج!
زفر "نديم" بنزقٍ، لكنه سرعان ما هدأ وهو يعاود النظر في عينيه من جديد قائلًا بثباتٍ:
-أنا بحب ليلى.
مرّت لحظة طويلة من الصمت. ثم ارتفع حاجبا "مهران" وظهر شيء يشبه الابتسامة المندهشة على فمه، نصفها تهكّم ونصفها تصديق مرّ وهو يقول:
-يعني إحساسي من زمان كان في محله.. طلعت بتحبها!
-أنا حاولت أهرب من ده كتير.. بس كنت بكدب على نفسي. أنا بحب ليلى يا عمي ومش قادر اشوف واحدة غيرها. أنا عايزها هي. هي مش راندا ولا أي ست غيرها.
قست نظرات "مهران" وهو يقول بحدة:
-إنت بتتكلم عن بنتي يا نديم. فاهم يعني إيه؟ فاهم حجم إللي بتقوله؟
أومأ "نديم" وقال بذات الثبات:
-فاهم.. عشان كده هاعترف لك بحاجة تانية ..
حدّق فيه مهران، وجهه صار مشدودًا، كأن كل عضلة فيه تتحفّز لكلمات ابن أخيه المعلّقة ..
ليستطرد "نديم" دون أن يرف له جفن:
-أنا اتجوزت ليلى!
كأن أحدهم سحب الهواء من الغرفة فجأة.. أو كأن الوقت نفسه توقف للحظة ..
لم يتكلم "مهران".. لم يتحرك.. فقط نظر إلى "نديم" بعينين تعكسان شعور الصدمة.. الخيانة.. الطعن في الظهر ...
-اتجـ… جوزتها؟ .. ردد "مهران" بذهول مستنكر:
-يعني إيه اتجوزتها؟
جاوبه "نديم" ببساطة:
-اتجوزتها عرفي. وتممت جوازنا في الغردقة.. وعلى فكرة. ليلى حامل مني.
فغر "مهران" فاهه من شدة الصدمات التي يتلقّاها، بينما يكمل "نديم" بصوته القوي:
-قبل ما ترد وتقول أي حاجة عايزك تعرف إني ماعملتش حاجة استخاف بيك يا عمي. ولا إن نيّتي ناحية ليلى مش كويسة. أنا مالجأتش للحل ده غير لما حسيت إن ممكن أهلها ياخدوها مننا. ممكن جدًا هي تحب تتعرّف عليهم. ممكن لو عرضوا عليها ترضى تروح لهم وتسيبك.. تسيبني. وده أنا إستحالة كنت أسمح بيه. أهلها لو صمموا ياخدوها هاعرفهم إللي بيني وبينها. هو نفسه السبب إللي خلّاهم يتبرّوا من بنتهم إللي انت حبيتها ووقفت جنبها وربّيت بنتها كانها بنتك. فكر بالعقل. ماكنش في حل تاني نضمن بيه وجودها معانا طول العمر منغير تدخل أهلها غير ده. بمجرد ما أحس إنهم خلاص رموا طوبتها هاتجوزها رسمي. هكون طلّقت راندا وليلى هاتبقى مراتي قصاد الدنيا كلها.
يصدر عن "مهران" صوتًا كالأنين وهو يستمع لابن أخيه، يميل بجسده بشدة ممسكًا بالمكتب، كأن به ما يمنعه من السقوط ..
ثم ضرب بيده الأخرى السطح الخشبي دفعة واحدة، فاهتزّ كل شيء عدا "نديم".. لم يرتد له طرف ..
-انت خونتني يا نديم! .. صاح "مهران" غاضبًا:
-انت دوست على شرفي. ليلى دي بنتي أنا. أنا إللي ربيتها. أنا أبوها!!!
نديم ببرود: ماحصلش إني خونتك يا عمي. بالعكس. أنا حميت إللي بتقول عليها بنتك. وكل إللي عملته عشان أحافظ لك عليها.. وبعدين لازم تفهم كويس إنها في الحقيقة مش بنتك. ومالهاش علاقة بشرفك. يعني لو حاسس بكده تقدر تخلي مسؤوليتك عنها وأنا كفيلها. ليلى هاتبقى مراتي رسمي. وأم ابني أو بنتي.
حلّ الصمت مرةً أخرى ..
لكنه هذه المرة كان مختلفًا، كأن شيئًا قد انكسر بينهما، ولا يعرف أحد إن كان قابلًا للترميم ...
___________________________________________________________
لم يكن "رياض" يظن بأن الزمن ما زال يحتفظ بقدرته على صفعه من جديد.. حتى جاءه الخبر اليقين …
صوت "زين" يدوي كالرعد بأركان القصر وهو يفق أمام جده وكلًا من أبيه وعمّه:
-حامل! ليلى.. حامل من السافل إللي اسمه نديم الراعي!!!
تجمّدت عينا "رياض".. كأن الكلمة سقطت من السماء عليه كصخرة.. كشهبٍ مدمّر ..
اهتزت يده حول عصاه، ثم هوى جسده دفعة واحدة إلى المقعد خلفه، لم ينهَر، بل تكسّر مرةً واحدة ..
بينما يهدر العم "سليمان" بغضبٍ أهوج:
-رايد إيه تاني يا عمي عشان إتصدج إن البت كيف أمها. لساك عايزها؟ عايزها بعارها؟ جولّي. لو بدك ترجع عشان ما تغسل عارك الجديم والجديد بدمّها أنا بنفسي أروح وأعاود لك بيها في أجل من ساعة.
يتدخل "طاهر" قائلًا بصوتٍ مهزوز:
-إهدى يا سليمان.. إهدى الموضوع مايتحلّش إكده.
سليمان بانفعالٍ: أومال يتحلّ كيف يا مخبّل انت؟ البت خاطية كيف أمها. عايزنا نفرشولها الأرض ورد إياك؟؟
طاهر بعصبية: على الأجل راعي حالة أبوي. مش شايفه عامل إزاي؟؟؟؟
-بكفاية عراك! .. نطق "رياض" من بين أنفاسه
نظر إلى ابنه وابن أخيه بتحذيرٍ، وعينين زائغتين، كمن يحاول أن يستوعب ما لا يُصدق ..
لم يتكلم من جديد، فقط تنفّس بصعوبة، حتى انفجر "زين" مجددًا:
-أنا مش هسكت يا جدّي. أنا نازل دلوق على بيته. والله لاخدها من هناك غصبٍ عن أي حد. وهو حسابه معايا تَجيل. مش هايموت جبل ما يتحاسب!!
رياض بصوت واهن لكنه حاسم:
-اجعد يا زين.. مش عايز فضايح.
رفع زين حاجبيه في ذهول، كأن الكلمات أصابته في كبريائه، ثم قال:
-يعني إيه؟ إحنا هانطاطو راسنا للسافل ده؟ هانسيبوه؟؟؟
رياض بتهكمٍ مرير:
-محدش غلطان غيري. كيف ما سيبت حفيدتي يربيها راجل مش من دمها. أنا السبب في كل ده.. أنا إللي غلطت.. وأنا إللي هاصلّح غلطي.
طاهر بتساؤل: هاتصلّحه إزاي يا بوي؟!
رد "رياض" بحسمٍ دون أن يعر إهتمام لأحد:
-هارجّع الغايب.. حفيدتي هارجّعها بيدّي.. وهاصلّح إللي اتكسر.
عقد "سليمان" حاجبيه بشدة قائلًا:
-إيه الكلام الماسخ ده يا عمي؟ هو الشرف بيرجع إيّاك؟ الحل للموضوع ده الجتل!!
نظر له "رياض" بعداءٍ سافر وهو يقول بلغظة:
-ماليكش صالح يا سليمـان. ليلى مش دهب. دهب خلاص ماتت وبتّها مسؤوليتي أنا. محدش فيكم هايجرب لها طول ما أنا عايش. انت سامع؟ ماليكش صالح بيها لا دلوق ولا بعدين!!!
بُهت "سليمان" ولم يعد يرد ..
ليقول "زين" بأنفاسٍ محمومة وعيناه تلمعان بالغضب:
-ناوي على إيه جدي؟ سوتك ده بيجتلني أكتر من إللي عمله الواطي ده!!
رمقه "رياض" بنظرة مطوّلة، ثم قال مقدمًا له وعده النافذ:
-هاتشوف جدك هايعمل إيه.. هاتشوف كيف هايرد على الجلم ده.. بطريجة ابن رشيد الراعي نفسه مايتوقعهاش!................................................................................................................................................................................................................................................................................................................. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
يتبــــــع ...
( 22 )
_ من أنت! _ :
استفاقت "ليلى" مصادفةً، مدّت يدها بتلقائية نحو الجهة الأخرى من السرير، فلم تجد سوى الفراغ والبرودة ..
قطبت حاجبيها وهي تجذب ساعة التنبيه الصغيرة من فوق الكومود المجاور، لم تتجاوز الساعة التاسعة صباحًا بعد، جلست في مكانها ببطء وهي تمرر عينيها على الغرفة الساكنة حولها ..
نهضت من فراشها، والتقطت روب قميصها عن الكرسي القريب وارتدته بعجلة، ثم خرجت ..
المنزل غارق في الصمت، تحركت بخفة بين الظلال حتى وصلت إلى غرفته، دفعت الباب بخفة وتخطّت العتبة دون أن تطرق ..
كان واقفًا أمام المرآة، يُصلح ياقة قميصه تحت ربطة عنقه بعناية، وجهه نصف غارق في الضوء المنبعث عبر نافذته المفتوحة ..
هتف "نديم" بصوتٍ دافئ، دون أن يلتفت لها ما إن لمحها في المرآة:
-صباح الفل يا لولّا. تعالي.. أدخلي.
تغلق "ليلى" الباب ورائها، خطواتها سريعة نحو "نديم" وهي تقول بانزعاجٍ:
-أنا عايزة أعرف.. انت هاتكلم بابا امتى يا نديم؟
يرفع "نديم" حاجبه، لهجته متصنعة وهو يقول:
-أكلمه في إيه يا ليلى؟
ترد بصوتٍ متفاجئ:
-في موضوع جوازنا! انت نسيت؟
يضحك بخفة وهو يقفل زر ياقته قائلًا:
-أنسى إيه يا عبيطة؟ بهزر معاكي. مش قلت لك امبارح؟ ولا انتي عندك زهايمر؟
ليلى بغرابةٍ: قلت لي إيه؟
يلتفت لها مرددًا بتهكم:
-لا ده زهايمر بجد.. مش قلت لك إني رايح دلوقتي أخلص موضوعي مع راندا؟ احنا خلاص ماشيين في إجراءات الطلاق. أول ما يتم رسمي هاخطبك وأكتب عليكي علطول. يعني ممكن نقول الشهر الجاي هاتبقي حرم نديم رشيد الراعي. ها. رأيك إيه؟
تتنفس "ليلى" بعمقٍ قائلة وعيناها تلتمعان:
-ياريت يا نديم.. بجد ياريت. أنا مستنية اللحظة دي من سنين!
اقترب منها، عيناه ثابتتان في وجهها، رفع يده ولمس ذقنها بخفة، نبرته مائلة بين العتاب والرجاء وهو يهمس لها:
-صاحية بدري مخصوص عشان تقوليلي كده؟ بتسألي امتى هافاتح عمي في موضوع جوازنا؟ لازم تعرفي إني مستني اللحظة دي أكتر منك. بس قلة ثقتك فيا.. بتوجعني!
وتلاشت ابتسامته ذائبة في جليد الخذلان ..
ردّت "ليى" بتسرع في الكلام، تكاد تتلعثم وهي تقول مبررة:
-لأ يا نديم أنا واثقة فيك.. بعد ده كله إزاي تفكر إني مش واثقة فيك؟
ده أنا سلمت لك نفسي من غير ما أراجع تفكيري مرتين لأني عارفة ومتاكدة إنك ضهر وحماية ليا من يوم ما وعيت على الدنيا. وإن عمرك ما سبتني ولا لحظة. انت ابن عمي وحبيبي وبقيت جوزي وبسببك كمان هاكون أم.. معقول عقلي يصوّر لي بعد ده كله ماثقش فيك؟ مستحيل!
حدّق فيها طويلًا، ثم مدّ كفه ولمس خدها كأنها لا تزال حلمًا عاجزًا عن تحقيقه رغم أنه نال منها كل شيء، ثم قال بخفوتٍ وهو يدنو منها ببطءٍ:
-المستحيل هو بُعدك عني.. أنا مجنون بيكي.
ابتسم ثغردها وهي تردد بصوتٍ لم يسمعه جيدًا:
-زي مجنون ليلى!
واستسلمت لفمه وهو يطبع قبلة هادئة مطوّلة على شفتها ..
كم أرادت أن تمنحه مزيدًا من القبلات، مزيدًا من الحب، لكنه أظهر سيطرة أكبر على النفس وابتعد عنها بصعوبة ..
تنهدت وهي تشعر بالتوّرد يفترش محيّاها، ثم بدأت تعدل له ربطة عنقه بأصابع مرتعشة، بينما كان ينظر إليها، كأنه يراها للمرة الأولى، بشوقٍ وإنبهار وإعجاب موصولٌ لآخر عمره ...
-صحيح يا نديم أنا عايزة موبايلي بقى!
قطب حاجبيه: هو أنا نسيت أدهولك؟
-تخيّل!
ضحك بخفةٍ وهو يستدير نحو خزانته، فتح إحدى الأدراج السفلية محضرًا لها هاتفها، عاد إليها مقدّمًا لها إيّاه قائلًا:
-اتفضلي يا ستي. موبايلك.
أخذته منه مبتسمة، فحذرها بنبرة هادئة:
-ليلى. مش محتاج أفكرك.. إللي حصل بينّا يفضل بينّا لحد ما نتجوز. حتى بعد الجواز محدش يعرفه. ولا أنتيمتك نوران. سامعاني؟
أومأت له بطاعة ..
ليدق هاتفه هو في هذه اللحظة، يمد يده من جوارها ليأخذه من فوق طاولة المرآة، رآى اسم عمّه يضيئ الشاشة، فأجاب بفتورٍ:
-ألو.. أيوم يا عمي!
بدأت ملامحه تتجهّم شيئًا فشيء ..
بينما كانت "ليلى" مشغولة بفتح هاتفها وتفقّد العدد من المهول من الرسائل والمكالمات الفائتة ..
رفعت وجهها إليه حين أنهى المكالمة، لم بدد تعابيره الجامدة مبتسمًا لها، لم يشأ أن تنتبه لأيّ خطبٍ غريب به ...
-أنا لازم أنزل يا لولّا. هاتأخر عن معادي.. انتي هاتعملي إيه؟
هزت كتفيها قائلة:
-ولا حاجة. هارجع أوضتي أخد شاور وبعدين هاخرج أكلم نوران شوية وهاعرف منها فاتني إيه في الكلية وهابدأ أجهز نفسي عشان أنزل في أقرب وقت بقى.. شهر وأكتر مش بروح.
-أوكي يا حبيبتي.. أنا هاخلص وهاكلمك. يلا باي.
-باي.
وراقبته مبتسمة بحب وهو يسحب سترته ويرتديها وهو يتجه صوب الخارج، لحظات وتبعته عائدة إلى غرفتها، انتقلت لحمامها الخاص فورًا لتستحم وتبدأ يومها ...
_______________________________________________________
هبط "نديم" الدرج بخطواتٍ واسعة متحفّزة، ملامحه مشدودة، وعيناه تلمعان ببريقٍٍ قاتم ..
كانت المكالمة من عمّه كفيلة بأن تشعل في صدره نارًا لا تنطفئ، هذه العائلة صارت مصدر إزعاج كبير له، حان الوقت ليخرسهم للأبد ..
وصل إلى الشرفة الرئيسية حيث التوتر لا يزال معلّقًا في الهواء، كثيفًا كالدخان، رأى عمّه واقفًا قبالة الرجل العجوز عريض الكتفين، حاد النظرات، يعرفه جيدًا.. "رياض نصر الدين" ..
هتف بصوته العميق، وهو يتقدم دون تردد نحوهما:
-أهلاً يا رياض بيه.. خطوة عزيزة. منوّر بيت الراعي ..
إلتفت "رياض" له ببطء، عيناه تشتعلان بغلٍٍ مكتوم، نبرته حادة هو يقول:
-عايز بتّي يابن رشيد.. عايز ليلى!!
ابتسامة باهتة ترتسم على فمه، نبرته باردة كالصقيع وهو يرد عليه:
-مش حضرتك جيتلي قبل كده؟ وفتحت معايا نفس الموضوع؟ ماوصلكش ردي من ساعتها؟
اقترب "رياض" خطوة، صوته خشن ينمّ عن اجرامٍ مكبوت:
-ردّك ما يلزمنيش. أنا جاي آخد حفيدتي غصب عنك. وهاخدها!!!
مطّ "نديم" فمه، أنزل نظره لحظة ثم عاد يواجهه قائلًا بثباتٍ:
-بص يا رياض بيه.. أنا مش ممانع والله.
شخصيًا؟ ماعنديش مانع تاخد ليلى. بس فيه ناس تانية هنا يخلّوني أمنعك تاخدها
زي أبوها إللي رباها ده.. وأمها إللي شالتها في عنيها وقلبها. وأخوها وأختها إللي عاشت وسطهم من يوم ما اتولدت ..
سكت لحظة. نظر إليه نظرة رجل لا يُراوغ، رغم إنه في الحقيقة يفعل، ثم تابع:
-أنا مش مهتم بليلى زي ما انت فاكر. اهتمامي الحقيقي بعيلتي. الناس دي هما دمي. وهما إللي يهموني. وعشانهم هاعمل أي حاجة تخلّي ليلى تفضل هنا.. في البيت ده. وتحت سقفي أنا.
سكت الجميع الآن، الصمت مشحونًا، كأن الهواء نفسه ينتظر من سيكسر السكون أولًا ..
بين "رياض" الذي يكاد ينفجر، و"نديم" الذي لا تهتز له شعرة، وقف عمّه حائرًا، يرقب التصعيد القادم لا محالة ...
_______________________________________________________________
فرغت "ليلى" من حمامها سريعًا ..
تخرج مستعرضة محتوايات خزانتها، لتنتقي ثوبًا رقيقًا من القطن الأزرق، مزيّن بشرائط كروشيه رفيعة، صففت شعرها ولوّنت وجهها بقليل من مساحيق التجميل الخفيفة ..
ثم تنفست بعمق وقامت حاملة هانفها نحو شرفتها، هاتفت صديقتها "نوران" التي ردّت من الرنّة الثالثة:
-يخربيتك يا ليلى كنتي فين يابت كل ده؟ أنطقي نهارك أسود كنتي غطسانة فين؟ بقالك شهر بحاله مافكرتيش تكلميني لا تعرفيني إذا كنتي عايشة ولا اتزفتي متي ..
قاطعتها "ليلى" مشدوهة:
-إيه إيه يابنتي بالراحة إهدي يا نوران أنا مالحقتش أرد عليكي.
-ردّت المايه في زورك. أنطقي يابت كنتي فين؟
ابتسمت "ليلى" رغمًا عنها قائلة:
-هاحكيلك ماتستعجليش. أنا لسا واصلة إمبارح من الغردقة.
-أيوة لما اتصلت باباكي قالّي إنك سافرتي. سافرتي مع مين وإزاي تقفلي موبايلك المدة دي كلها؟
-هقولك يا نوران بس ماينفعش على التليفون.. بصي تعالي نفطر سوا. إنهاردة الجمعة ومافيش كليّة. تعالي قضّي معايا اليوم.
-ماشي. هالبس وأجيلك. بس قسمًا بالله إن ما حكيتي بالتفاصيل لا ..
قاطعتها "ليلى" للمرة الثانية ضاحكة:
-ماتقلقيش هقولك يا زنانة.. يلا بقى مستنياكي.. باي!
قبل أن تغلق معها لمحت مشهد غريب للغاية ..
أختتم بإطلاق شهقة مصدومة منها ..
ذلك حين رأت أسفل شرفتها أبيها وابن عمها "نديم".. يقفان أمام رجل عجوز.. وهذا الرجل فجأة ارتفعت يده وهوت نحو وجه "نديم" ..
لكن الأخير كان أكثر يقظة، فلم يسمح للعجوز بأكثر من تحدّيه، أمسك يده قبل أن تمسّ وجهه وجمّدها في الهواء ..
بينما "ليلى" لم تنتظر ثانية أخرى، استدارت راكضة إلى خارج غرفتها، وفي غضون ثوانٍ كانت بالأسفل ..
كانت لتعبر الشرفة منطلقة نحو "نديم" لولا أن سمعت تلك الجملة التي جمدتها وجعلتها تشحب كليًا ...
-ليلى حفيدتي يابن رشيد.. وأنا مش هافوتهالك واصل!
-لولا إنك في بيتي يا رياض بيه كنت اتحاسبت على رافعة إيدك عليا.. احمد ربنا إني كنت صاحي لك. وإلا ماكنتش عملت إعتبار لسنّك.
سمعت صوت أبيها يقول بعصبية:
-بس يا نديم. كفاية بقى. وانت يا رياض بيه.. انت خلاص عرفت إنها حامل. احنا أولى بيها. جاي وعايزها ليه دلوقتي؟ انت رميت أمها زمان عشان حملت فيها من الحرام.
-لو صوح شايفها بتّك يا مهران وجلبك عليها. يبجى كلمتك تمشي على ولد أخوك. ترجع لي الأول وبعدين يكتب عليها رسمي.
-حفيدتك لا مراتي ولا بنت عمي.. إيه إللي يخليني أتنازل وأتجوزها رسمي؟ إيه الجديد إللي هاكسبه بعد ما سلمتني نفسها منغير جواز ولا أي مجهود؟!
جحظت عينيّ "ليلى" من شدة الصدمة ..
هذا صوت "نديم".. هذا الكلام الذي يدور بالداخل عنها.. ولكن من هذا الرجل العجوز؟
كيف لـ"نديم" أن يتحدث عنها هكذا؟
هل أذاع خبر زواجهما؟
هل أصبح أبيها يعرف الآن؟
ماذا يجري بحق الله؟
هل هذا حلم؟
لا إراديًا قرصت رسغها بقوة، فإذا بها تكتم آنة متألمة، الآن تأكدت، هذا ليس حلم، إنها الحقيقة ..
ولكن ما الحقيقة؟.. ما الحقيقة؟
وبدل من اقتحام الشرفة عليهم، استدارت مطلقة لساقيها الريح، غادرت المنزل بأكمله، تركض بماحذاة السور على غير هدى، تكاد لا ترى أمامها ..
إلى أن ارتفعت فجأة عن الأرض، وكمّ فاها قبل أن تطلق صرخة مدوّية، غابت عن الوعي قسريًا ..
لم تعد تسمع أو ترى شيئًا ...
_____________________________________________________________
في غفلة منهما، وفي لحظة تهورٍ وغضب أعمى، تحسس "رياض" حزامه المخفي أسفل عباءته، كان ليحسم قراره بإشهار سلاحه بوجه "نديم الراعي" وقتله في الحال إن لم يسلّمه حفيدته ...
-لآخر مرة بجولك سلّمني بتّي! .. قالها "رياض" بصوتٍ كالهسيس
نديم متحدّيًا: وأنا لآخر مرة بقولك.. مالكش بنات عندي.
حرفيًا أنقذه هاتف "رياض" عندما دق ..
أستلّه الأخير من جيبه بعصبيةٍ، رد بلهجةٍ ملؤها الانفعال:
-خـــير!!!
وارتعشت قسماته للحظة ..
لم يخفى عن "نديم" رؤية ألق الراحة الذي مرّ يعينيّ العجوز، قبل أن يسمعه يرد بهدوء ضمني:
-زين.. زين يا زين.. ماشي يا ولدي.. الله يخليك ليا يا سبع... أنا جاي في الطريج.. مع السلامة ..
تبادل كلًا من "نديم" و"مهران" نظرات الاستغراب ..
بينما يطالعهما "رياض" بابتسامة، سرعان ما استحالت لضحكٍ هستيري استمر لدقائق بلا مبالغة، حتى هدأ تدريجيًا ..
اقترب نحو "نديم" خطوتين، مال صوبه هامسًا بوجومٍ:
-حسابنا دوبك بدأ.. مش هاهمّلك يا ولد رشيد.. افتكر كلامي زين!
وتراجع عنه متواصلصا معه بالنظرات حتى أولاه ظهره ..
ورحل دون إضافة كلمة ..
ظل "مهران" محدقًا في إثره بدهشةٍ، بينما "نديم" يتفكر بكلماته، يخالجه شعور غير حميد ..
حتى ناداه عمّه:
-الراجل ناوي على الشر يا نديم.. أنا خايف عليك. وعلى ليلى.. على البيت كله.
طمأنه "نديم" بجمود:
-ماتخافش يا عمي.. إن كان يقدر يعمل حاجة كان عملها من أول يوم.. محدش فيهم يقدر يخطي هنا وياخدها غصب عني.. محدش.
مهران منفعلًا: وأخرتها؟ انت مفكر سكوتهم ضعف؟ شايف نتيجة تصرفاتك المتهورة؟ لو كنت جتلي كنا حلّينا.. كنت خدتك وروحنا اتفقنا إنك تتجوز ليلى والموضوع كان اتحل.. ليه صعبتها علينا؟ ليه يا نديم؟؟؟
سأم "نديم" من تأنيب عمّه المتواصل ..
تركه ومضى عائدًا للداخل، كان سيخرج ليلحق بمعاده، لكن قدمه علقت بشيء ..
أخفض رأسه، ليرى مشبك شعرها، تلك الفراشة التي اعتادت رفع خصيلاتها الأمامية بها ..
انحنى "نديم" ملتقطًا إيّاها وهو يعبس بشدة، رافضًا تصديق ما برق برأسه لوهلةٍ، ارتفع رأسه تلقائيًا للطابق الأعلى ..
ثم انطلق على الفور صاعدًا إلى غرفتها، دفع الباب بعنفٍ، لم يجدها، الغرفة ساكنة تمامًا ..
إتجه صوب الحمام، لم تكن هناك، فقط ما تبقّى من آثار استحمامها ..
لكن هي.. لا أثر لها ...
-لــــــــــــــــــــيــــــــــــلـــــــــــــــــــــــــــــى!
ضج المنزل بصيحته الأشبه بزئير وحشٍ كاسر قد فك قيوده للتو!................................................................................................................................................................................................................................................................................................................. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
يتبــــــع ...
( 23 )
_ أبعد من النجوم! _ :
راحت السيارة تنهب الطريق في صمتٍ ثقيل، لا يقطعه إلا صوت المحرّك المنتظم، كنبضٍٍ رتيب داخل صدر مريض يحتضر ..
كانت "ليلى" ساكنة في المقعد الخلفي، ملقاة ولا زالت غائبة عن الوعي، جفناها يتحركان ببطء، كمن يصارع الغرق من حلمٍ ثقيل نحو السطح ..
بدأت تحسّ بثقل جسدها، التنميل يكمُن في أطرافها، والضباب يعشش في عينيها ..
الرؤية أمامها مشوّشة، خطوط الأشياء مهزوزة كأن الزمن نفسه يهتزّ.. وتوقّفت السيارة فجأة ..
لحظة صمت قصيرة تسبق فتح الباب ..
انفتح بجانبها، ومن الظلال برز هو، ذلك الكائن الضخم المألوف الذي حملها بين ذراعيه كما يُنتشل الغريق من بحرٍ لا قرار له، لم تُبدِ مقاومة، ولا استطاعت، فقط شعرت بجسده يتحرّك بثبات، خطواته تخترق الأرض بثقة باردة ..
دخل بها إلى مكانٍ ما، الضوضاء من حوله كانت عبارة عن أصواتٍ مكتومة تحت سطح الماء، حتى اخترق أذنها صوتٌ واضح، غاضب، لأنثى تحمل في نبرتها لهب المواجهة:
-عملت إللي في دماغك وجبتها بردو يا زين؟
لم يلتفت، لم يتباطأ، فقط ردّ بصوتٍ خالٍ من الانفعال:
-أنا ماعملتش غير إللي أمر بيه جدي.. وأوامر جدي سيف على رقبتي بنفذها.
-عمتك غنيمة على وصول! أول ما عرفت والدنيا قايمة. وكمان سليمان مقوّم العيلة كلها وبيقول لو الناس عرفوها يبقى لازمًا تتقتل!
-عمتي غنيمة منها لجدي!.. قالها ببرودٍ أكثر، كمن يلقي حجراً في ماء راكد وتابع:
-وزيها سليمان لو عرفوا يقفوا قصاده يتفضلوا يوروني هايعملوا إيه. لكن دلوقتي رجوع ليلى ووجودها في البيت ده أمر واقع.. وكلكوا مجبورين تقبلوه.
ولم يُضِف كلمة ..
تابع السير، وصعد بها درجات طويلة، كل درجة كأنها تكشف طبقة من الغموض، من المصير المحتوم ..
وصل أخيرًا إلى وجهته، فتح باب غرفة واسعة غمرها هدوء كثيف ودفءٍ ملموس، وضعها برفقٍ فوق سرير وثير، كأنها زهرة تُعاد إلى تربتها بعد عاصفةٍ طال أمدها ..
تراجع خطوتين. تنفّس أخيرًا دون أن يرفع أنظاره عنها، الآن بدأ الفضول يتملّكه لرؤيتها بوضوح، تلك الفتاة من دمه لكنه لم يعرف بها إلا مؤخرًا ..
كما يرى ويعرف أيضًا، فإنها موضع نزاعٍ بين عائلته والرجل الذي كنفها، وهو ليس والدها بالتبنّي كما المتوقع، بل إنه الرجل الذي تربّت وترعرعت بمنزله وشبّت تحت رعايته، الرجل الذي أسترد ثمن كفالتها غاليًا قبل أن يختطفها "زين" اليوم.. "نديم الراعي" ..
ألد عدو لعائلة "نصر الدين" الآن، ليس لأنه هتك عِرض ابنتهم ولوّثها فقط، بل أيضًا لإصراره على النيل منها، وعدم تركه لها بعد كل ما فعله، يريدها لنفسه بعد أن حقق أطماعه بها، إنه لا يريد بهذا إلا تحويلها إلى عاهرة تحت يده في أيّ وقت، تعيش بمنزله، تكون بمتناوله وقت يشاء، وفي سريّة دون أن يشكّ أحد بأمره ..
ولكن هيهات!
ما كان "زين" ليسمح بذلك، إن لم يكن قد تمكن من أخذها اليوم بسهولةٍ، كان ليقتحم حصن "الراعي" وينتزعها من قبضته عنوةً وهو ينظر بعينيه، ما كان لشيء بقادر على منعه من تحقيق مأربه هذا إلا الموت ..
والآن.. صارت "ليلى" بحوزته.. عادت إلى عائلتها حتى ولو تلطّخت بوحل الخطيئة.. صارت أبعد من النجوم لكي يطالها "نديم".. ولن يقدر ..
عبس "زين" وهو ينظر إليها عن كثب، إلى جفنيها المرتعشين، إلى وجهها البريئ الذي بدأ يستعيد ملامحه، كأنها تخرج من غيبوبة طويلة ..
كانت على وشك الاستيقاظ ..
راقب جسدها يتململ بثقلٍ، أنينٍ خافت ينبعث من صدرها، ثم جفناها يتباعدا ..
في نفس اللحظة التي أقتحم فيها "رياض نصر الدين" الغرفة لاهثًا، كأنه قطع المسافات إليها مسابقًا الزمن ..
تعلّقت نظراته بحفيده أولًا، يرمقه بنظرة فخرٍ واعتداد، ثم صوّب ناظريه إليها ..
جمد لوهلةٍ حابسًا أنفاسه، خيّل إليه للحظة بأن تلك الراقدة هناك فوق السرير ليست سوى ابنته الصغيرة "دهب".. ابنته التي كانت في وقتٍ خلى أقرب أبنائه إلى قلبه وأحبهم إليه قبل أن تهون عليها كرامته ..
كانت الفتاة نسخةً من أمها، عدا الشعر المصبوغ بشقرة باهتة بشرتها البيضاء، كانت "دهب" مائلة للسمرة أكثر ..
لكنها حتمًا تحمل دمائها، وملامحها بلا استثناء، كانت هي ...
-نديم!
كان أسمه هو أول أسم تنطقه فور صحوتها ...
______________________________________________
الهواء في الباحة كان كثيفًا، زوبعة ضبابية في الأفق، كأنه مشبع بدخانٍ لا يُرى ..
الحرس يتحركون في كل اتجاه، و"نديم" واقفٌ في المنتصف، كبركان على وشك الانفجار، نظراته حادة، وجهه مشدود، والعرق يتسلل من صدغه كمنبّه على الحريق الذي يشتعل داخله ..
هرول نحوه فردان من رجاله، أنفاسهما متلاحقة، وملامحهما مشوّهة بخوفٍ من غضبٍ ينتظرهما ..
-لاقيتوها؟.. خرج السؤال من فم "نديم" كلسعة سوط
-مالهاش أثر يا باشا!.. ردّا وهما يحاولان ترتيب أنفاسهما
كان "مهران" بجواره، عيناه متوجستين من العاصفة المترتب عليها هذا الجواب، وقبل أن تنفجر، وضع كفه على كتف "نديم" بقوة أمر للحرس بحدة:
-دوروا تاني. اطلعوا بالعربيات وفتشوا المنطقة حتة حتة.. هاتوها لو تحت سابع أرض.
هزّا رأسيهما بطاعة، وانطلقا من جديد كمن يهرب من سكينٍ فوق عنقه على وشك الهبوط ..
التفت "مهران" صوب "نديم" قائلًا وهو يحاول أن يحقنه بشيء من الاتزان وسط تلك الفوضى العارمة:
-اهدى يا نديم!
استدار إليه "نديم" والنار تشتعل في عينيه، نبرته تنذر بجهنم تحت أنفاسه:
-اهدَى؟ ليلى اتسرقت مني.. ليلى يا عمي. ازاي بتطلب مني أهدى؟
-بطلب منك تهدا عشان مافيش قدامك اختيار تاني. الغضب هايعمل إيه؟ احنا مانعرفش هي فين أصلاً!
انفلتت أعصابه الان، صرخ بضراوة وقد مزّق صوته الهواء:
-لأ أنا عارف هي فين. أكيد هو إللي خدها. رياض نصر الدين دخل بيتي. غفّلني وخطفها من ورا ضهري. هو إللي خدها يا عمي.. بس أقسم بالله ما هاسيبه. مش هاسكت على كده زي ما هو فكر ده بيحلم!!!
-يابني محدش قال هانسكت. هو انت مفكر ليلى دي تخصّك لوحدك؟ دي بنتي. دي مكتوبة على أسمي. كل حاجة في صفنا. بس بالهداوة. مش كده يا نديم!
نديم وهو يكاد يشتعل فعليًا وقد تضرج وجهه بحمرة قانية:
-مافيش هداوة! الراجل ده كان هايقتل بنته! كان هايقتل ليلى نفسها لولاك انت ..
وبتر عبارته مرددًا وهو يمرر نظره في الفراغ يمنى ويسرى:
-ده كمان عرف. عرف إللي عملته معايا… يعني هايقتلها! هايقتل ليلى يا عمي! ده أنا اقتله هو وعيلته كلها قبل ما يفكر يلمس منها شعرة!
وانطلق فجأة نحو البوابة، كأن كل شيء بداخله يدفعه للهجوم الآن بغير انتظار لحظة أخرى، لكن "مهران" لحق به مسرعًا قبل أن يبتعد كثيرًا، أمسكه من ذراعه بقوة، نبرته صارمة وصلبة وهو يهتف به:
-نديم! استنى هنا. إللي بتقوله ده مش هايحصل. رياض نصر الدين مش نيته يقتل ليلى.. لو كان لسا شايفها عار ماكانش جه وطالب بيها حتى بعد ما عرف بغلطتها معاك. كان سابها لنا ورحم نفسه من الفضيحة. لكن مش هايقتلها. صدقني مش هايعملها.
لم يهدأ "نديم" مثقال ذرة وهدر بخشونةٍ:
-أنا مش بسلم دماغي للصدف.. أنا مش هفضل واقف مكاني وماعرفش عنها حاجة!
ثم صاح بينما غضبه يفيض على كل شيء كوحشٍ مسعور:
-أنا عملت كل حاجة عشان أضمن إنه هايبعد عنها! كل حاجة! وفي الآخر عرف ياخدها مني؟ يخطفها من بيتي؟؟؟؟؟
في تلك اللحظة.. انضم إليهما فردٌ آخر من العائلة ..
جاءت "مشيرة" زوجة "مهران".. خرجت من الداخل.. وجهها يحمل طيفٌ من النعاس وقلقًا كبيرًا وهي تتساءل بريبة:
-إيه اللي بيحصل؟ في إيه يا مهران؟ صوت نديم جايب البيت كله أنا صحيت مفزوعة!!
أدار "مهران" وجهه ناحيتها، نظرته كئيبة، ممتلئة بالضيق، ولم يرد ..
لكن "مشيرة" لم تكن بحاجة لرد، بنظرة واحدة إلى عينيّ "نديم".. وإلى الصمت المطبق.. استدلت الحقيقة دون كلمات ..
-ليلى طبعًا! .. تمتمت بصوتٍ خافت وهي تهز رأسها بإدراكٍ
ما من سواها بقادر على زعزعة تماسك الرجل الأكثر صلابة الذي رأته "مشيرة" طوال حياتها.. ما من سوى "ليلى" وحدها بقادرة على تحويل هذا الرجل إلى مجنونٌ بها.. ومجرد خاتمٌ بإصعبها.. رغم جبروته وصورته الحازمة أمام بقيّة العائلة قبل الناس جميعًا بالخارج ..
وسكن الهواء لثوانٍ، كأن البيت كله يحبس أنفاسه.. البيت الذي كأنما افتقد استقراره للتو بفقدان "ليلى" ...
_______________________________________________
الغرفة غارقة في سكون ثقيل، لا يُسمع فيها سوى صوت أنفاسٍ راكدة، وأنين قلبٍ موشك على الاستيقاظ ..
بدأت "ليلى" تتحرك ببطء، أجفانها ترتعش، وجهها غائم من أثر النوم الثقيل والدوّار المستمر، حاولت أن تفتح عينيها، فارتبكت الصورة أمامها للحظات ..
ظلال تتحرّك فوق الجدران، سقفٌ غريب، ورائحة غير مألوفة ..
ينطلق أسمه مرةً ثانية من بين شفتيها، أول ما نطقت، وكأن الاسم محفورٌ في قلبها ويسبق لا وعيها:
-نديم ..
تصلّب "زين" أكثر بنطقها لأسمه مرةً أخرى، واقفًا بجانب السرير الآن، و"رياض" بجواره مستندًا إلى عصاه ذي الرأس الفضّي ..
صدره يتأجج بنارٍ غير مرئية، الغضب في عينيه لم يكن مجرد لحظة مكتسبة، بل تاريخًا، كل نظرة يوجهها نحو تلك الفتاة لا تخلو من مرارة الندم لتركها بلا حماية بين براثن العالم بقبحه وغدره، ولا من لهيب الغيظ تجاه من أفسد شرف العائلة وأستغلّها أحطّ استغلال ..
-نديم! .. تنطقه للمرة الثالثة وقد استعادت وعيها كاملًا
شدّ "زين" فكه، وكأن الاسم الذي نطقت به "ليلى" مجددًا أهان كرامته علانيةً ..
أدارت "ليلى" رأسها مصطدمة برؤية وجوهٍ غريبة، نظرتها بدأت تستعيد وضوحها كليَّةً، وبدأت تدرك واقعها ..
تلفّتت حولها بخوفٍ، جسدها ما زال ضعيفًا، لكنها دفعت نفسها للأمام قليلًا، واستندت إلى يديها المرتعشتين وهي تقول بصوتٍ واهن:
-إنتوا مين؟ أنا فين؟
ثم وبنبرة مرتعشة أعلى، تناديه كأنها تبحث عن طوق نجاة:
-نديـم؟.. يا نديـــم!!!
لكن صوتًا آخر قاطعها بحدة كالسيف …
-مابقاش في نديم يا حلوة!
كان صوت "زين" غليظًا، قاسيًا، لا يرحم وهو يستطرد بقساوة:
-انتي تنسي الاسم ده خالص. وإياكي أسمعك تنطقيه من اللحظة دي. سامعة؟!
انتفضت "ليلى" من على السرير، دموعها انسابت بلا إذن، قامت بصعوبة، تتراجع للخلف حتى التصقت بالحائط، وكأن الحائط وحده هو السند الأخير الذي يحميها من التداعي أمام هؤلاء ...
-إنتوا مين.. عايزين مني إيه.. أنا ماعرفكوش.. فين بابا.. فين نديم.. أنا عايزة نديم.. يا ندييييييم ...
صرخ "زين" بصوتٍ وحشي وهو يخطو نحوها خطوة مُهددة:
-لو نطقتي اسمه تاني. هاخليكي تندمي ندم عمرك!
جسدها بدأ يرتعش، الدموع انهمرت أكثر من عينيها.. أين قوتها؟ أين ذهبت ناريتها التي لطالما جابهت بها ابن عمها المتسلّط؟
لماذا لا تستطيع مواجهة هؤلاء؟ لماذا يرعبونها هكذا؟
انبعث صوت بكاءها المكتوم كأنها طفلة ضائعة في كابوس لا أفق له، ولا نهاية، وفي تلك اللحظة، خرج "رياض" عن صمته أخيرًا ..
صوته هادئ، لكنه ملييء بالصرامة المبطنة وهو يقول:
-زين!
نظر إليه "زين".. لم يزده تعبير "رياض" الصارم إلا صمتًا ...
-هملّني معاها لوحدنا… يلا يا ولدي!
أدار "زين" رأسه بتردد، ثم انصاع أخيرًا، خرج من الغرفة وأغلق الباب وراءه ..
وسكنت الأجواء من جديد ..
صارت "ليلى" وحدها، وجهاً لوجه مع رجل عجوز لا تعرفه، لكنه يحدّق فيها وكأنه يعرف كل تفاصيلها، وكأنه يعرفها هي شخصيًا ..
اقترب منها على مهل، صوته أكثر ليونة الآن وهو يخاطبها:
-ماتخافيش.. انتي هنا في أمان.
سألته بعينين واسعتين من الخوف والارتباك:
-إنت مين؟
وقف أمامها، الفاصل بينهما مجرد خطوتين، نظرت إلى ملامحه الخشنة التي لم ترى مثلها من قبل، لكنها تحمل شيئًا من ماضٍٍ لم يُدفن بعد ..
قال بهدوء: أنا رياض نصر الدين.. بتّي تبجى دهب إللي هي أمك الحجيجية… يعني أنا أبجى جدك!
استقرت الكلمات في أذنيها كصفعة صامتة، لكن صداها دوّى في أعماقها بشدة، وزلزلها للحظاتٍ وهي لا تزال تحملق فيه بقوة غير قادرة على الرد!............................................................................................................................. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
يتبــــــع ...
( 24 )
_ لن تبلغها! _ :
العاشرة صباحًا ..
الهواء لا يزال يحمل برودة الليل الماضية، وقف "عاصم البدري" على عتبة باب المنزل بنفسه، بملامح متوترة تحاول اصطناع الهدوء، ينتظر لحظة وصول ابنه الذي وصل للتو كما بلّغه فرد الحراسة بالخارج ..
توقفت سيارة "عمر" الفارهة بمنتصف الباحة المظللة بأغصان شجرة ضخمة، ترجّل منها "عمر" متجهًا نحو باب المنزل بخطوات محسوبة، يرتدي سروال جينز قاتم وقميص أبيض تعلوه سترة جلدية ..
بدا أكثر جاذبية على تلك الشاكلة الفتيّة، أصغر سنًا ممّا يبدو عليه، شعره الناعم القصير أشعث قليلًا، ولحيته الخفيفة غير المحددة كلها تفاصيل جعلته صورة مصغرة من أبيه في شبابه ..
هتف "عاصم" مقتربًا وهو يمد ذراعيه بابتسامة واسعة:
-حمدلله على السلامة.. أهلًا يا عمر.
يقف "عمر" أمامه، لا يقترب كثيرًا، ويرد بنبرةٍ فاترة متسائلًا:
-ريهام فين؟
يحاول "عاصم" أن يحتفظ بابتسامته رغم البرود الذي لاقاه من ابنه وقال:
-ريهام كانت بتلعب طول اليوم امبارح ونامت متأخر.. هي في أوضتها لسا ماصحيتش.
عمر متمتمًا بخفوتٍ:
-تمام. هاطلع أشوفها!
يرفع "عاصم" يده بهدوء كأنه يصدّه عن طريقه إليها وهو يقول بلطف:
-سيبها تصحى براحتها.. مش هاتجري. تعالى نفطر سوا. أنا مستنيك من الفجر تقريبًا.
عمر باقتضاب: أنا فطرت في الطريق.
يبتسم "عاصم" محاولًا التقرّب إليه بلطفٍ:
-طب اقعد معايا على السفرة بس.. معقول ماليش عندك أي خاطر للدرجة دي يا عمر؟
يتنهّد عمر كأن صدره يحمل آلاف الكلمات التي لا ينوي قولها.. ثم يتجه صامتًا إلى الداخل ..
غرفة الطعام ..
الطاولة مرصوصة بعناية، شراشف مكويّة، أطباق من الجبن والزيتون والبيض والخبز، وبخار الشاي يتصاعد من الأبريق الخزفي العتيق ..
جلس "عمر" هادئًا، يتابع أباه وهو يتناول فطوره بالشوكة والسكين بإيقاع منظم يشبه صوته وهو يخاطبه:
-كنت قايل جاي عالعشا امبارح. ريهام زعلت كانت مستنياك.. ما أكلتش نص طبقها.
عمر بفتورٍ: كان عندي شغل في الفندق. ما خلصش غير الصبح.
يومئ "عاصم" ببطء قائلًا:
-حمدلله على السلامة عمومًا ..
يسكب لنفسه فنجان شاي برتابة، ثم يرفع عينيه إلى ابنه عارضًا عليه:
-أصب لك فنجان؟
يهز "عمر" رأسه بالنفي، ليرتشف "عاصم" رشفة صغيرة، يتأمل ملامح ابنه الشبيهة كثيرًا بملامحه، ثم يقول بهدوء:
-قولي يا عمر.. انت مافيش واحدة في حياتك؟
عمر بجفاف: في.. ريهام.
عاصم بنصف ابتسامة:
-أنا مش قصدي ريهام. قصدي واحدة عجباك. مصاحب.. كده يعني.
يرفع "عمر" حاجبه قائلًا:
-لا والله.. أنا مش فاضي ولا مهتم بالمواضيع دي.
حاول "عاصم" إخفاء عجالته وهو يرد عليه بهدوء:
-هاتفكر امتى طيب؟ انت كبرت يا عمر. عندك كام سنة دلوقتي؟
-ستة وتلاتين.
-يعني عايز تقنعني إن بعد العمر ده كله، مادخلتش ولا علاقة جدّية؟
مش ناوي ترتبط؟
ينفخ "عمر" بضيقٍ واضح، ينظر بعيدًا وكأنه يتحدّث عن عبء لا يزول وهو يجاوبه على مضضٍ:
-دخلت علاقات كتير. بس ولا واحدة كانت تستحق تكمّل.. وأنا أصلاً ما ينفعش أرتبط
أنا مرتبط بريهام. ريهام هي كل أولوياتي. محدش ممكن يراعيها ويتحمل مسؤوليتها غيري.
قال آخر كلماته كما لو أنه يشير إليه بتلميحًا صريحًا ..
ارتفع صوت الملعقة وهي تلمس طرف الفنجان بصوتٍ خافت، لكن في قلب "عاصم" كانت تطن كرصاصة مرتدة ..
نظر إلى ابنه وللحظة، بدا وكأنه يراه طفلًا ضائعًا وسط زحام عالم مليئ بالغدر والأنانية، أمثاله هو، رآه "عاصم" طفلًا، طفله الذي أضاعه وتخلّى عنه بمحض إرادته.. فهل يفيده الندم الآن؟!
-طيب ما ريهام ممكن ترتبط. هاتعمل إيه ساعتها؟ .. قالها "عاصم" متعمّدًا ألا ينظر بعينيّ ابنه
بينما يعبس "عمر" بشدة مرددًا باستنكار فجّ:
-ريهام مين إللي ترتبط؟ مين مجنون قال كده؟
رد "عاصم" وهو ينظر إلى طعامه متظاهرًا بتناوله:
-إيه يعني؟ هي مش ريهام بنت زي كل البنات. من حقها ترتبط وتتجوز ويكون عندها عيلة.
نظر له "عمر" غير مصدقًا خوضهما هذا النقاش من الأساس، ثم قال بحدة سافرة:
-لأ ريهام مش زي كل البنات وانت عارف. مالهاش في الارتباط ولا الجواز.. انت إزاي فكرت فيها أصلًا القصة دي ولا مين مخبول دخلها في دماغك؟
وهنا رفع "عاصم" وجهه متطلّعًا إليه، وقال:
-محدش أتكلم.. أنا إللي بدردش معاك.. انت معترض ليه أوي كده؟ حالة أمك كانت أسوأ من حالة ريهام واتجوزتها وخلّفناك.
عمر بسخرية لاذعة:
-آه فعلًا. ده من حظك الحلو مش كده؟ بس معلش بقى ربنا ابتلاك بـ ريهام ..
كاد "عاصم" يرد، ليقاطعه "عمر" بصرامةٍ:
-أسمعني كويس.. الموضوع ده مش مادة للنقاش. ريهام عندها ظروف خاصة هاتفضل يها طول العمر. كون حضرتك حاسس إنها عبء محدش أصلًا طلب منك تتحمّلها. سيبها لي وأرجع مطرح ما جيت.
وهب "عمر" واقفًا أمام عينيّ أبيه المذهولتين ...
-شنطتي في العربية! .. دمدم بغلظةٍ:
-ياريت حد يطلعها لي.. بالإذن.
وتركه متجهًا صوب الدرج المؤدي للطابق العلوي، حيث الغرف، وتحديدًا غرفته المجاورة لجناح شقيقته الصغيرة ..
من خلفه "عاصم" قد ترك الطعام تمامًا وجلس يفكر، عاقدًا يديه أمام وجهه، شيء واحد بات متيّقنًا حياله ..
زواج ابنته من الرائد "زين نصر الدين" صار أمرًا محتومًا، شاء "عمر" أم أبى، ستتزوج "ريهام" ..
ولكن ليبقى الأمر طيّ الكتمان، فقط لحين إكتماله، لن يسمح لابن بإفساد ذلك المخطط.. مهما كلف الأمر ...
______________________________________________________________
جلسا كلًا من الأخوين "ليث" و"لقى" أمام أمهما ساهمان ..
كليهما مشبّعان بالصدمة بعد الحديث الذي أدلت به "مشيرة" بمنتهى البرود، لقد طار النعاس الذي ملأ عينا "ليث" منذ دقائق فقط حين جاءت أمه لتوقظه حتى يلحق بها بشكلٍ عاجل إلى الأسفل، وكذا "لقى" التي اصطحبها أخيها بأمر من أمه إلى غرفة المعيشة بالأسفل ...
-يعني إيه ليلى مش أختي؟ .. تساءل "ليث" مصدومًا
جاوبته "مشيرة" وهي تشعل سيجارة ببرودة مستفزة:
-مش أختك.. هي دي الحقيقة إللي خبّيتها عنكوا طول السنين دي
لو عليا كان نفسي أصرّخ وأعرف الدنيا كلها إنها مش بنتي. لكن مهران أجبرني أسكت. وسكتّ عشانكوا. بس خلاص بقى.. جت من عند ربنا.
تطلّعت "لقى" إليها قائلة باستنكارٍ مرير:
-انتي إزاي بتتكلمي بالبرود ده؟ إزاي أصلًا نسيتي إنها بنتك؟!!
مشيرة بحدة: مش بنتي.. انتي سامعة؟
ليلى مش بنتي ولا بنت مهران. دي بنت الـ×××× إللي كان أبوكوا ماشي معاها. إللي محدش فيكوا انتوا الاتنين يعرفوا. إن ليلى أصلا بنت حرام
أمها حملت فيها منغير جواز. وأبوها الحقيقي هرب ومحدش يعرفه أصلًا.
يهز "ليث" رأسه رافضًا ما يسمعه، ليقول بعدم تصديق:
-لأ. لأ أنا مش مصدق الهبل ده.. فين ليلى؟ فين بابا ونديم؟
البيت ساكت ليه كده؟؟
تنهدت "مشيرة" وهي ترد عليه مبتسمة براحة غامرة:
-أبوك ونديم بيعملوا محاولة أخيرة عشان يرجعوها.. ما أنا نسيت أقولكوا إن جدها الحقيقي خطفها من البيت إنهاردة الصبح
أخيرًا جه إللي يريّحني ويزيح المصيبة إللي اسمها ليلى دي من طريقي. أخيرًا.. لولا مهران والله كنت نزلت شكر خاص لجدها في الجرايد.
ينهض "ليث" مغمغمًا بخشونة:
-هو مين ده إللي خطفها؟ مين سمح له؟
فيــن بابا ونديـم؟؟؟؟
هزت "مشيرة" كتفيها قائلة باستفزازٍ:
-ماعرفش.. بحاول أكلمهم مش بيردوا
جرّب انت!
كز "ليث" على أسنانه بغيظٍ، ولم يطيل البقاء أمام أمه أكثر، استدار عائدًا إلى غرفته بخطواتٍ مهرولة ..
بينما "لقى" تحدق في أمها وكأنها لا تعرفها، وفي نفس الوقت يترجم عقلها كل تصرفاتها تجاه "ليلى" طوال عمرها، لقد عرفت الآن سر الجفاء الذي لطالما أظهرته لها ..
عرفت سر البغض الذي حملته في نظراتها، في كلماتها، في كل إشارة صامتة ونظرة مواربة ..
أجل ..
لا بد أن تكون "مشيرة" محقة.. هي ليست أمها ..
ما من أم تعامل فلذة كبدها هكذا معاملة، ما من بقادرة على نبذ ابنتها وتفضيل البقيّة عليها، ما من أم تفعل ذلك ..
لكن "مشيرة" فعلته.. وهي ليست بأمها ..
أجل ..
لقد أيقنت "لقى".. صدقت إدعاءات أمها الآن عكس أخيها الذي لا يزال في حالة النكران.. "ليلى" ليست شقيقتها ..
لم تكن يومًا دمها ...
_____________________________________________________
لم يكن عصيًا عليه مطلقًا الإتيان بعنوان قصر آل "نصر الدين" ..
جلبه له المحامي الذي يدير شؤون عائلته القانونية، لقد سبقه المحامي الأربعيني إلى هناك فور أن خابره، ترجل "نديم" من سيارة عمّه قبل أن تتوقف تمامًا ..
توجه نحو المحامي الذي وقف إلى جوار فردان من جهاز الشرطة ...
-مستني إيه يا متر؟ .. انطلق السؤال من فم "نديم" مباشرةً
استقبله المحامي بهدوءٍ مدروس قائلًا:
-نديم بيه. أقدم لك حضرة الظابط مروان نصحي. نقيب في الداخلية. وحضرة الملازم أشرف عبد العزيز.
حيّاهما "نديم" على مضضٍ:
-أهلًا اتشرفت بحضرتكوا ..
وصافحهما ..
ثم عاود النظر إلى محاميهظن ي نفس لحظة وصول عمه الذي تساءل بدوره:
-إيه الأخبار يا متر؟
نقل المحامي ناظريه بين الرجلين قائلًا:
-ماتقلقوش يا بهوات.. سيادة النقيب متصامن معانا قدرت أطلّع أمر تفتيش للبيت. فهمته إننا متأكدين إن أنسة ليلى جوا. وكمان عرضت تسجيل كاميرات الفيلا عندكوا في النيابة وكان واضح فيها جدًا رياض نصر الدين. وبالأخص في لقطة ظهر فيها سلاحه. كل دي شواهد ساعدتنا نطلع الأمر.
نديم بانفعالٍ طفيف:
-طيب مستنيين إيه يا متر؟
-كنا مستنيين وصول حضرتك انت ومهران بيه.. حالًا هانتحرك.
وبالفعل ..
تقدّم كلًا من فرديّ الشرطة.. واتجهوا جميعًا صوب بوابو القصر ..
تمكنوا من تخطّي الحراسة بمجرد إشهار الشرطة بطاقات الهوية، بينما يبعث البواب خبرًا لأهل المنزل، ولج "نديم" متقدمًا عمه، جسده كله متصلّبٌ، متأهبًا لاقتراف جرمًا إن لزم الأمر ..
كوّر قبضته ما إن وصل أمام الباحة الداخلية ورآى المدعو "زين نصر الدين في المقدمة، من خلفه برز "رياض نصر الدين" مفترًا ثغره عن ابتسامة متشفيّة ...
-مش معقول مروان باشا وأشرف باشا مرة واحدة! .. هتف "زين" مرحبًا بجماعته
إذ بدا وكأنه صديقًا لهما ..
قابلاه الرجلين بابتسامةٍ حفيّة، تصافحوا بينما يقول "زين" متجاهلًا وجود البقيّة دونهما:
-لعله خير يا مروان باشا. يعني طول الوقت بتحايل عليكوا في الزيارة بصورة وديّة ف يوم ما تدخلوا بيتي يبقى رسمي؟ هُزلت!
ضحك الرجال الثلاثة، ورد "مروان" بصوتٍ أجشش مغلف ببعض الرسمية:
-معلش يا دولة خليها عليك المرة دي واستحملنا. جايين بتكليف والله.
رفع "زين" حاجبه قائلًا:
-أوف. للدرجة دي؟ خير طيب!
أشهر النقيب "مروان" أمر التفتيش أمام عينيّ "زين" قائلًا:
-الأستاذ مهران الراعي مقدم بلاغ في النيابة بيتهم فيه جدك يا باشا بخطف بنته ليلى مهران الراعي من بيتها. وده بإثبات زيارة رياض بيه لبيت مهران بيه إنهاردة الصبح. ف النائب العام شخصيًا حرر امر التفتيش.. سيادك عارف التعليمات يا زين باشا. صج؟
علت زاوية فم "زين" بابتسامةٍ تهكمية وهو أخيرًا يمرر ناظريه نحو "نديم" مرددًا:
-أكيد عارف.. بس للأسف. في مشكلة يا مروان باشا!
وظهر في هذه اللحظة فردٌ آخر من العائلة، كان يقف وراء "رياض" مباشرةً لكن لم يلاحظه أحد تمامًا ..
كان "سليمان نصر الدين" ..
أقبل ليقف إلى جوار "زين" الذي عرّفه أمامهم بهدوءْ شديد:
-أقدم لكوا سيادة النائب سليمان نصر الدين. عضو في البرلمان.. وعلى فكرة. هو صاحب البيت ده. مش جدي.
-يعني إيه؟.. خرج السؤال الحاد من فم "مهران"
بينما ظل "نديم" صامتًا.. واجمًا إلى حدٍ مريب وكأنه أدرك اللعبة.. إلا إن لا يمكن التنبؤ بردة فعله ..
جاوبه "سليمان" بنفسه على هذا السؤال قائلًا:
-يعني محدش يجدر يخطّي حدود البيت ده.. لأنه بيتي.. على اسمي.
-أفنــدم!!! .. صاح "مهران" بغضبٍ
استدار "مروان" نحوه قائلًا بتحذير:
-من فضلك يا مهران بيه هدوء.
مهران بغضب أشدّ:
-هدوء إيـه؟ أنا بنتي جـوا.. أنا مش مـاشي من هنـا إلا وهـي في إيـدي ...
تدخل "أشرف" قائلًا بهدوء:
-يا مهران بيه مشكلتك إحنا مش هانعرف نحلها. سليمان بيه عنده حصانة.
مهران بعصبية: يعنـي إيـه عنـده حصـانة؟؟؟
مروان: يعني فوق مستوى الشبهات يافندم. ماينفعش أي حد يحرر ضده محضر ويتطبّق عادي كده إلا بدليل دامغ. والدليل إللي معاكوا يخص رياض بيه مافيش حاجة تمس سليمان بيه. والبيت ده بأسمه هو.. بالتالي مش هانقدر نفتشه... إحنا بنعتذر جدًا ليكوا!............................................................................................................................. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
يتبــــــع ...
( 25 )
_ أين أنت _ :
أخيرًا نطق لسان "نديم".. بكل برودة أعصابٍ ردد:
-تمام يا حضرة الظابط.. سليمان بيه عنده حصانة ومحدش يقدر يتهمه.. تمام
لكن رياض بيه بقى. أنا بتهمه بالتعدّي عليا في بيتي إنهاردة والكاميرات مصوّراه. وكمان بتهمه بخطف بنت عمي
ومش هامشي من هنا إلا وهو سابقني على قسم الشرطة عشان أحرر ضده بلاغ رسمي!
ران الصمت المطبق من حوله ..
اعتلت ثغره ابتسامة بالكاد تُرى، بينما نظرة مستوحشة راحت تمسح مناظرهم بهدوءٍ فتّاك، آل"نصر الدين" قد بوغتوا حقًا ..
جميعهم يحدقون به كأنما على رؤوسهم الطير، ثم تبادلوا النظرات فيما بينهم، حتى قال "زين" رافعًا أحد حاجبيه وهو يخاطب جده باقتضابٍ:
-وماله يا جدي. مافيهاش حاجة.. هاتيجي معايا في عربيتي ونروح القسم كلنا ..
وأدار رأسه ناظرًا مباشرةً إلى "نديم" وتابع:
-ونحرر المحضر في مكتب مروان بيه. ده ليا في ذكريات.. كان مكتبي في يوم من الأيام.
انبعث صوت "رياض" ثابتًا جامدًا كالصخر:
-إللي تشوفه يا ولدي.. إللي تجول عليه هانفذّه.
أومأ "زين" آخذًا بيد جده، تبعهما "سليمان نصر الدين" قائلًا:
-أنا جاي معاك يا عمي.. ماتجلجش.
كان "نديم" رافعًا بصره لأعلى، صوب إحدى النوافذ، خيّل إليه أن طيفها ربما مرّ هناك، ظل يحدق لبرهةٍ، حتى أحس بيد عمه تشدّه برفقٍ وسمعه يقول بصوته العصبي:
-يلا يا نديم!
أدار رأسه رامقًا إيّاه في صمتٍ هادئ.. ثم سار معه مستبقًا البقيّة إلى سيارته ...
__________________________________________________________________
حالة إنهيارٍ تام ألمّت بها ..
بمجرد أن لفت نظرها طيفه عبر زجاج النافذة المقوّى، قفزت عليها محاولة فتحها، لكنها مغلقة بإحكامٍ، ضربت اللوح الزجاجي بيديها ورجليها، أصابها الجنون وهي تراه بالأسفل ..
إنه هنا، جاء لأجلها، لكنها لا تقدر على بلوغ ذلك المعتقل لتصل إليه ...
-نـديــــــــــــم.. نــديـــــــــــــــــم.. نـــديـــــــــــــــــــــــم.. أنا هنــــااااااااااااا. يا نــديــــــــــــــــــــــــــــــم ...
لكن لا حياة لمن تنادي ..
لا يسمعها، لا يراها!
لم يكن وحده، كان أبيها بجواره، لكنها لم تنادي، لم تصرخ إلا بأسمه ..
لكنه أبدًا لا يسمعها ..
حتى رأته يرفع رأسه فجأةً متطلعًا ناحيتها، تقسم أنه نظر إليها، فأشرقت عيناها بسعادة وهي تتقافز بمكانها صارخة بأسمه أشدّ ..
إلا أنه ما لبث أن أشاح بوجهه مغادرًا برفقة أبيها، غادر ببساطة، وغادرت الشرطة معه، وبقيّة هؤلاء الذين يدّعون أنهم أهلها ..
تفاقم إنهيارها حتى سقطت فوق الأرض مجهشة ببكاءٍ مرير، لا يمكنها أن تصدق مدى بشاعة الكابوس الذي تعيشه، كابوسٍ لا تستطيع الصحو منه ..
___________________________________________________________________
كان البيت هادئًا.. حتى عندما وفدوا إليه رجلا بيت آل"الراعي" مطالبين بربيبتهما ..
إلا إنه الآن كان أبعد ما يكون عن الهدوء، ولو كان ظاهريًا!
اقتحمت القصر بعد رحيل كباره بدقائق قليلة، ابنة الكهل الكبرى، وتدعى "غنيمة" ..
جاءت برفقتها بضع من النسوة، وشاب عشريني يرتدي الزّي الصعيدي، جلباب داكن وشالٍ من الصوف ألقاه حول عنقه ..
استقبلتها السيدة "رؤيا" والدة "زين" بحفاوةٍ يغلفها القلق:
-أهلً أهلًا يا حجة غنيمة.. القصر نوّر يا حبيبتي.
-بوي فينه يا رؤيا؟ .. سألتها "غنيمة" محتدة قبل أن تستهلّ أيّ كلام
جاوبتها "رؤيا" بثباتٍ مفتعل:
-الحج رياض راح مشوار مع سليمان وزين ابني.. مش هيأخروا يا حبيبتي. على ما تطلعي أوضتك ترتاحي وآ ا ..
-مافيهاش راحة! .. قاطعتها "غنيمة" للمرة الثانية بحدة أكبر
أجفلت "رؤيا" ملقية نظرة صوب "شهد" ابنة صهرها "سليمان" والخطيبة المتوقعة لـ"زين" قريبًا ..
-فين بت دهب؟
عاودت "رؤيا" النظر نحو "غنيمة" قائلة بتوتر:
-فوق يا حجة.. أوضتها فوق جنب أوضة الحج رياض.
أومأت "غنيمة" مرارًا، ثم نظرت إلى ابنها قائلة بصرامةٍ:
-مشّي يا كرم. كلّم جدك شوفه فين وروحله.. إللي هايجرى هنا ماينفعش راجل يحضره. ده شغل حريم.
أطاعها "كرم" مرددًا بصوته الغليظ:
-أمرك ياست الناس.. بالإذن.
واستدار مغادرًا ..
بينما تتطلّع "رؤيا" إليها متسائلة بإجفالٍ مستمر:
-خير يا حجة. فهميني إيه ده إللي هايحصل؟ ومين الستات دول؟
غنيمة بحزمٍ: مالكيش صالح يا رؤيا. ده بيت النصراوية. يعني بيتي. وكل إللي فيه يلزمني. تجعدي وتتفرجي وماسمعش صوتك. مهما شوفتي ولا سمعتي.. مفهوم؟
تسمرت "رؤيا" عاجزة عن الرد، لتهدر بها الأخيرة زاجرة:
-مـفهـــوم؟؟؟
أنتفضت "رؤيا" مفزوعة وهي تردد:
-مفهوم يا حجة. مفهوم طبعًا.. البيت بيتك انتي حرة!
شمخت "غنيمة" بأنفها دون أن تحيد عنها، ثم نظرت نحو "شهد" قائلة بلهجةٍ آمرة:
-بت يا شهد.. اطلعي جِدامي.. وديني لبت دهب.
شهد ببراءتها المتكلفة:
-حاضر يا عمتي.. أتفضلي معايا.
وتقدّمتها "شهد" نحو الدرج، تبعتها "غنيمة" معها النسوة ذوات الأردية السوداء، بينما بقيت "رؤيا" بالخلف تدعو وتتضرّع بأن يمر هذا اليوم بخيرٍ وسلام ..
إلا إنها تشك.. في وجود امرأة جبّارة كـ"غنيمة".. فإن أبيها بكل ما يملك من سلطة وبطش.. لكنه أحيانًا كثيرة لا يقدر عليها ..
فما بال المسكينة.. "ليلى"!!!
______________________________________________________________
لم تكن "ليلى" قد أدركت بعد ما يدور حولها ..
جسدها ما زال غارقًا في آثار الخطيئة، وروحها ممزقة بين ذنبٍ لا تعرف كيف ارتكبته، وخوفٍ لم تختبره بهذا الشكل من قبل، لم تمضِ سوى ساعات منذ نُزعت من بيت الأب الذي احتضنها لسنواتٍ، واقتيدت عنوة إلى بيت الجدّ الذي لم تره من قبل ..
والآن وأخيرًا.. ينفتح عليها باب الغرفة الموصد من الخارج كما تُفتح بوابة إلى الجحيم ..
دخلت سيدة متشحة بالسواد أولًا، وجهها جامد، هرِم، ملامحها غليظة وقاسية، محيّاها لا يحمل أيّ أثر للشفقة ..
خلفها ثلاث نسوة، تتشابه وجوههن في التجاعيد والغلظة والعيون الخالية من الرحمة!
قالت السيدة بنبرة قاطعة:
-إجفلي الباب يا أم سعيد!!
أُغلقت إحداهن الباب، وانسحب الضوء الأخير من الخارج، وظلّت "ليلى" جالسة بمكانها أسفل النافذة، تنظر إليهن وكأنها ترى أشباح وليس بشر ...
-إنتي.. إنتي مين؟ .. تساءلت "ليلى" وهي تتحامل على نفسها لتقوم واقفة
اقتربت منها خالتها في الواقع، ثم قالت وقلبها كأنه حجر:
-أنا غنيمة. بت العمدة رياض البكرية. فخره وشرفه. أنا كبيرة البيت ده بعد أبوي.. أنا إللي جدرت أمسح عار أختي بجوزي وعيالي. أنا خالتك للأسف. وجيت أمسح عارك انتي كمان. أدام أبوي مصمم يرجعك.
هزت "ليلى" رأسها وهي تبسط كفّها فوق بطنها غريزيًا في حركة دفاعية:
-أنا ماعرفكيش! انتي مش خالتي. أنا ماليش خالات ..
غنيمة بسخرية: ياريت كان صوح.. بس هانعمل إيه؟ قدرك. زي ما هو قدر إللي في بطنك يموت على يدي أنا!
عبست "ليلى" بشدة مرددة بحدة:
-هو مين ده إللي يموت يا ست يا مجنونة انتي؟ طب جرّبي تقربي لي كده. ده أنا أكلك بسناني. إللي بتتكلمي عنه ده يبقى إبني. أنا ليلى مهران الراعي يا شوية مجانين. مرات نديم الراعي. وإللي في بطني ده ابنه وإبني!!!
ضحكت "غنيمة" وهي تقول بازدراءٍ:
-إبنك؟ ولد الحرام أكرم له يموت. يا خاطية. كنّي باصّة لدهب. طالعة شبه أمك يابت في كل حاجة. وفاجرة كمان كيفها!
لم تحتمل سماع المزيد من الترهات، همّت "ليلى" بالهرب، لكن النساء حاصرنها كجدار من اللحم الغليظ ..
حاولت أن تفلت من بين أيديهن، دفعت واحدة بذراعها وهي تصرخ:
-ابعدوا عني! أنا حامل!
صاحت خالتها وهي تشير نحوها بلا أدنى شفقة:
-مسكوها كويس. ماعيزهاش تفلفص منيكم ..
أمسكت بها واحدة من الخلف وقد أفلحت بأن تطرحها أرضًا، شدّت ذراعيها بقوة حتى شعرت "ليلى" وكأن كتفها سينخلع، بينما الأخرى أمسكت بساقيها لتمنعها من الركل ..
لم تتوقف "ليلى" عن الصراخ، جسدها يُشدُّ في الاتجاهات كلها، يؤلمها، ولكنها لا تكترث سوى لتلك الحياة الصغيرة التي تحملها في أحشائها، أرادت لو تفديها بعمرها، أن تموت هي أولًا قبل أن يمسس جنينها سوء ...
-سيبوني.. حرام عليكوا.. أنا عملت إيه.. أنا ماعرفكوش.. سـيبووووونـي ...
بدأت إحداهن تفتح كيسًا صغيرًا، وتخرج منه أداة معدنية ملتوية، صدئة بعض الشيء، تلمع تحت الضوء الخافت للغرفة، ومعها زجاجة بها سائل غريب الرائحة ..
اقتربت منها، والسيدة "غنيمة" تمسك بوجه "ليلى" وتجبرها على النظر في عينيها قائلة بصوتها الغليظ:
-اسمعيني كويس.. إللي هايحصل دلوق هاينجدك من مصير لو كان بيدّي كنت صممت عليه. إللي في بطنك هايموت بدالك. وتحمدي ربك.. ده مش جتل. ده تطهير!
صرخت "ليلى" مرةً أخرى بصوت كأن قلبها ينفجر عير حنجرتها:
-لأ. لأااااا مش هايموت. موتوني أنا الأول. موتوني أنا. يا نـديــــــــم ..
لكن صوتها لم يجد سبيلًا للوصول خارج جدران الغرفة المغلقة ..
أحسّت بيد القابلة وهي ترفع ساقيها، وتمسك الأخرى بالسائل وتسكبه بين فخذيها، سائل حارق، بينما "ليلى" لم تتوقف لحظة واحدة عن المقاومة بشراسة، بكل ما أوتيت من قوة ..
لكن أين قوتها الضئيلة من قوة سواعد النسوة البدينات المخيفات؟
-وجع يوم أرحم من فضيحة عمر! .. قالتها "غنيمة" بقساوة
ثم أعطت الإشارة بالبدء ..
وسط صراخ ليلى وارتجاف جسدها كله. كان الألم لا يُحتمل، عنفٌ بدائي، وحقد لا تفسير له، وصرخات تتكرر حتى اختلطت بالدم والدوار والغثيان، بينما صرختها الأخيرة تضج بالغرفة كلها:
-نـــديــــــــــــــــــــــــــــــــم!
يتبع ....
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات
إرسال تعليق