رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الستون 60بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات
رواية محسنين الغرام( الجزءالثاني)الفصل الستون 60بقلم نعمه حسن حصريه وجديده في موسوعة القصص والروايات
٦٠ ـ ~ مد وجزر !
ما إن وطئت ميرال عتبة الدار، حتى آوت إلى غرفتها مباشرة. أغلقت الباب خلفها في هدوءٍ مثقل، ذاك الهدوء الذي يسبق الانكسار دائمًا. أدارت المفتاح مرة واحدة، كأنها لا توصد باب غرفة فحسب، بل تعزل العالم بأسره خلفه. أسندت ظهرها إلى الباب، وانزلقت ببطء حتى جلست على الأرض، تضمّ ركبتيها إلى صدرها، كطفلةٍ عادت فجأة إلى أول خوفٍ عرفته.
عادت إليها وحدتها القديمة. تذكّرت لياليها الطويلة، حين كانت تُقنع نفسها بأن الفقد قابلٌ للاحتواء، وأن الوجع إذا تكرّر تآكلت حدّته. لكنها كانت تكتشف الآن، بمرارةٍ صافية، أن الألم لا يشيخ، وأن الخذلان حين يعود، يعود أكثر شراسة.
انفجرت بالبكاء. بكاءً بدأ خافتًا، مكبوتًا، ثم تحرّر دفعةً واحدة، كأن صدرها لم يعد قادرًا على احتوائه. انسابت دموعها بحرقة، فيما كانت كلمات نادية تتردّد في رأسها بلا رحمة، صدى لا يخبو ولا يلين…
«عمر لديه طفل.»
جملة قصيرة، لكنها هدمت عالمًا كاملًا أمام عينيها.
طفل… ماضٍ أخفاه عنها، حياة تنصّل منها بدهاء، وحكاية قدّمها لها مغلّفة بالكذب، فصدّقتها لأنها أرادت أن تصدّق.
تذكّرته وهو يبتسم بثقة، يحكي لها عن نفسه كما لو كانت سيرته ناصعة، عن نقائه، عن ماضٍ «مكتمل لا تشوبه شائبة». تذكّرته وهو يؤكّد، بكل يقين، أنه مختلف، أنه لا يشبه أحدًا. كم كان خداعها يسيرًا عليه… وكم كانت هي، ببراءتها، سهلة الانخداع.
لم يكن كذبهُ هو الأشد إيلامًا، بل تلك اللامبالاة الباردة التي واجه بها الحقيقة، كأنها لا تستحق الصدق، وكأن مشاعرها تفصيلٌ هامشي يمكن تجاوزه دون أدنى اكتراث.
داهمها فجأة ذلك الإحساس القديم؛ إحساس الفقد الذي ظنّت أنها وارته تحت طبقاتٍ من التماسك والنسيان. ولكن الآن.. الخذلان ذاته يعود، خذلان الأب والأم، حين تُركت وحيدة في مواجهة الحياة بقلبٍ بريء. واليوم يتكرّر المشهد، بوجهٍ آخر، وباسمٍ آخر.
لم يكتفِ عمر بكسر قلبها، بل أعادها إلى نقطة الصفر، إلى تلك الطفلة التي كانت تتساءل بوجعٍ صامت: لماذا أنا دائمًا؟
أظلم العالم في عينيها، وشعرت بالجدران تقترب حتى تضيق عليها أنفاسها، وكأن الهواء من حولها ينسحب ببطء، تاركًا صدرها مثقلاً بالعجز.
ندمت… ندمت بمرارة لأنها خانت عهدها مع نفسها. كم مرّة أقسمت ألا تنهزم من جديد؟ كم مرّة أقنعت نفسها أن الحب رفاهية لا تليق بمن اختبر الخسارة؟ وها هي اليوم تدفع الثمن كاملًا.
مسحت دموعها بعنف، لا لتتوقف، بل كأنها تعاقب ذاتها. لم تغفر له كذبه، ولم تغفر لنفسها سذاجتها. لقد منحته الفرصة كاملة ليقول الحقيقة، سألته عن ماضيه بوضوح، لكنه اختار الهروب، واختار أن يضعها في موضع الشك، ويتركها وحدها في مواجهة نظرة احتقار من أمه… نظرة لم تألفها ميرال يومًا، ولم تستحقها أبدًا.
كانت ترى نفسها دائمًا عزيزة، مرفوعة الهامة، لم تمنح أحدًا حق المساس بقيمتها. ولكن هذه هي المرة الأولى التي تشعر فيها أن كرامتها دُهست تحت أقدام حبٍ كاذب .
رفعت رأسها أخيرًا، رغم تورّم عينيها وثقل الدموع التي أرهقتهما، لكن القرار كان واضحًا لا يتزعزع. لعنت الحب مراتٍ لا تُحصى، لا لأنه أوجعها، بل لأنه تجرأ واقترب من حدود كرامتها. وهناك، عند تلك النقطة تحديدًا، انتهى كل شيء.
لا فرصة ثانية، ولا مجال للتبرير، ولا مفر للعودة.
لتكن قاسية بلا هوادة، صريحة بلا مواربة، لا يهم كيف سيفسّر تصرفها أو موقفها.
فالمرارة الحقيقية لا تكمن في الفقد وحده، بل في التحوّل الذي يُفرزه إدراك الحقيقة. فليس كل قرب وُجد ليصمد؛ بعضه يُخلق ليعلّم، وبعض الحب لا يُمنح ليمنح الطمأنينة، بل ليكشف هشاشة القلب حين يسلّم نفسه بلا قيود، بلا شروط، بلا حصانة.
فلتكن ظالمة، لا يهم.
فإعادة إنسان كان يومًا وطنًا ليصبح غريبًا ليست انتقامًا، بل قرار نجاة.
اعتراف صامت بأن القلب، مهما أضاء للآخرين، لا يجوز أن يُستنزف حتى آخر شعاع من الضوء، ولا أن يُهدَر في العتمة.
الحقيقة موجعة، نعم، لكنها منصفة.
تقتلع الوهم من جذوره، وتعيد للإنسان سيادته على نفسه. ومن يمتلك شجاعة الإعفاء—إعفاء القلب من حبٍ أرهقه—فقد اختار الطريق الأصعب… لكنه الأصدق.
فليس كل من سكن القلب كان أهلًا للبقاء، ولا كل وداع خسارة.
أحيانًا، يكون الوداع أول انتصار حقيقي للنفس.
༺═────────────────═༻
ترجّلت نسيم من السيارة أمام الڤيلا، وتوقّفت تنظر إلى المكان بشعورٍ غريب يثقل صدرها. تذكّرت ذلك اليوم الذي خرجت فيه من هذا المنزل… يوم كان يُفترض أن تكون عروسًا.
عروس، لكنها لم تذق يومها أي مظهر من مظاهر الفرح، غادرته برفقة عاصم وهي ترتجف خوفًا، لا تعلم ما الذي ينتظرها ولا إلى أين ستؤول بها الأمور.
واليوم… تعود.
لكنها تعود كغريبة، كأن هذا البيت لم يكن يومًا وطنها. لم يعد هو المكان الذي عاشت فيه طفولتها وشبابها.
أيعقل أن السبب أنها، من الأساس، لا ترغب في استدعاء تلك الأيام التي عاشت فيها مهمّشة، بلا صوت ولا قيمة؟
قادتها خطواتها إلى الداخل بتردّد واضح؛ لا تعرف لماذا جاءت تحديدًا، لكنها تشعر بحاجة ملحّة إلى المواجهة.
حاولت أن ترسم الشموخ والجمود على ملامحها، وسارت رافعة رأسها، وكأنها تريد أن تثبت — له قبل أي أحد — أنها لم تعد نسيم التي غادرت هذا البيت منذ أشهر.
استقبلتها الخادمة وأبلغتها أن والدها في غرفة مكتبه.
طرقت نسيم الباب، وما إن سمعت صوته يأذن لها بالدخول حتى رتّبت خصلات شعرها، وسحبت نفسًا عميقًا استعدادًا لمواجهة ثقيلة.
فتحت الباب ودلفت…
وما إن وقعت عيناها على والدها، الجالس على مقعده المتحرك ممسكًا بإطار صورة بين يديه، حتى تجمّدت في مكانها، وسرت برودة مفاجئة في أطرافها.
راحت تتفحّص ملامحه ببطء، وعيناها تنزلقان على جلسته الهادئة، هدوءٍ معاكس لما يعصف داخلها… وكأن الزمن توقّف عند تلك اللحظة، يختبر قدرتها على الصمود.
شعرت وكأن قلبها تعثّر فجأة ولم يعرف إلى أي جهة يميل. لم تستطع أن تترجم ما يجتاحها؛ أهو شفقة ثقيلة لم تعتدها؟ أم شماتة خفية تخجل من الاعتراف بها؟ أم حزن مبهم يضغط صدرها؟ أم وجع قديم عاد يتنفّس من جديد؟
تداخلت الأحاسيس في صدرها حتى اختنقت، فلم تعد قادرة على التمييز بينها، وكل ما شعرت به أنها تقف أمام رجل لم يعد كما كان، وأمام ماضٍ لم يُغلق بابه بعد.
أما هو، فرفع بصره إليها، وعجز بدوره عن تفسير نظرتها. توقّف عند عينيها طويلًا، يبحث فيهما عن معنى واضح فلا يجده. وللحظة قصيرة، تسلّل إليه ضيق حاد، ضيق لم يأتِ من عجزه بقدر ما أتى من تلك النظرة نفسها.
كان يكره نظرات الشفقة، يأنف منها، خصوصًا حين تأتي من عيون اعتاد أن يفرض عليها سلطته، من شخص كان يومًا يقف أمامه منكسرًا، لا متأمّلًا.
فأدار وجهه قليلًا، كأنه يحاول الهروب من انعكاس ضعفه في عينيها… ومن حقيقة أنه لم يعد الرجل الذي يخشاه الجميع.. وقال بنبرته الجامدة كالعادة :
ـ هتفضلي واقفة تتأمليني كده كتير ؟! مش هتدخلي ؟!
دخلت وأغلقت الباب خلفها بهدوء ثقيل، ثم تقدّمت ببطء، وعيناها لا تفارقان هيئته الجالسة أمامها… تلك الهيئة العاجزة التي لم تألفها يومًا.
توقفت قبالته، تفرك كفّيها بتوترٍ واضح، تتنقل بنظراتها بين ملامحه الشاحبة والمقعد المتحرك، كأن عقلها يرفض التصديق، بينما كان هو يتابع كل حركة، وكل ارتعاشة، بعينين يقظتين لا يفوتهما شيء.
قال بهدوء مشوب بمكر خفيف:
ـ شكلك لسه عارفة بالخبر دلوقتي.
رفعت بصرها إليه، التقت عيناهما للحظة، ثم أومأت بارتباك، هزّت رأسها أكثر من مرة قبل أن تخرج الكلمات متعثّرة:
ـ أيوه…
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أضافت:
ـ نادية هانم قالتلي.
قطّب جبينه بدهشة، وسأل سريعًا:
ـ شفتيها فين؟
أجابته باقتضاب:
ـ في المستشفى… عند فريد.
صمت للحظة، وراح التفكير يعصف برأسه. نادية؟ في المستشفى؟ عند فريد؟
لم يكن من عادتها أن تفعل شيئًا بلا مقابل، ولا أن تزور أحدًا بدافعٍ بريء.
عاد بنظره إليها، ولاحظ شحوب وجهها، ويدها التي تعبث بأظافرها بعصبية، فتسللت إلى صدره شفقة لم يتوقعها. أشار إلى مقعدٍ مقابل له وقال:
ـ طيب… اقعدي.
جلست سريعًا، وكأن جسدها لم يعد يقوى على حملها، تشعر بأن قدميها قد تخونانها في أية لحظة.
سألها بصوتٍ خافت:
ـ فريد عامل إيه دلوقتي؟
أومأت برأسها قائلة:
ـ أحسن الحمدلله.
أومأ بدوره، ثم تابع بنبرة أقل حدّة:
ـ وانتي؟ بقيتي كويسة؟
رفعت عينيها إليه بدهشة حقيقية؛ لم تتوقع هذا السؤال، خاصةً بعد كل هذا الوقت. ترددت لحظة، ثم هزّت رأسها وهي تأخذ نفسًا عميقًا:
ـ الحمدلله.
قال بهدوء:
ـ خلي بالك من نفسك. لو محتاجة حد يخدمك وجوزك ظروفه مش سامحة قولي وأنا أتصرف. الفترة الجاية انتي محتاجة راحة ولازمك خدامة تشوف طلباتك ..
تنهدت، ومسحت جبهتها بتوتر قبل أن ترد:
ـ متشكرة… عاصم عرض عليّا أكتر من مرة يجيبلي حد يساعدني، بس أنا اللي رفضت.
أومأ، ثم ساد بينهما صمتٌ ثقيل، صمتٌ محمَّل بما لم يُقَل أكثر مما قيل. ظلت نظراتهما معلّقة في الفراغ، كلٌّ منهما يقرأ الآخر بطريقته، إلى أن كسرت هي السكون بنبرة متوترة:
ـ إزاي حصل؟!
رفع عينيه إليها، وأدرك فورًا أنها تشير إلى عجزه. تنهد بعمق وقال بنبرة خافتة امتزج فيها العتب بالإنهاك:
ـ ما انتي لو بتسألي على أبوكي كنتي عرفتي.
اجتاحها شعور غريب، لم تكن تنتظر منه لومًا، ولا تملك أصلًا رصيدًا كافيًا من القرب يسمح لها ببرّه كما يتوقع. لذا خرج صوتها جافًا وهي تقول:
ـ حضرتك كمان مبتسألش عليا من يوم ما اتجوزت.
فاجأه ردها، كما أربكته نظرتها الجامدة التي لم يألفها منها. ضيّق عينيه وهو يتفحّص ملامحها، بينما ارتبكت هي تحت وطأة نظراته كعادتها القديمة، فخفضت بصرها وقالت بحدة أخف:
ـ أنا لو كنت أعرف، أكيد كنت سألت أو جيت… بس فريد وعمر وحسن، محدش فيهم قالّي حاجة.
أومأ بهدوء وقال:
ـ أكيد كانوا خايفين عليكي ..
لم يرضِها رده، ولا كونه يضع نفسه في صفهم ذاته، فهتفت بحدّة مكتومة:
ـ خايفين عليا؟ ولا خلاص اعتبروني مبقيتش من العيلة؟!
رمقها بنظرة حادّة، وكأن غضبًا قديمًا استيقظ فجأة في أعماقه، وقال بصوت قاسٍ :
ـ انتي اللي عملتي في نفسك كده لما سمحتي لجوزك ينسبك ليه وكأنك ملكيش عيلة، كان لازم يعرف أن اللي عمله ده مرفوض، انتي مش نسيم الدالي، انتي بنتي.. بنت سالم مرسال.
رفعت عينيها إليه، نظرة مرتجفة تختلط فيها الدهشة بالألم، وهمست :
ـ دلوقتي بقيت بنتك ؟!
وتابعت بنبرة مهزوزة :
ـ انت عمرك ما حسستني اني بنتك !
قطب جبينه بنفاذ صبر وهتف:
ـ هنرجع للكلام الخايب بقا !!
تقدمت خطوة، حتى صارت عند طرف المقعد، ونظرت إليه بانكسار واضح وهي تقول :
ـ ده مش كلام خايب، دي حقيقة.. انت عمرك ما حبيتني .
نظر إليها فجأة، رمقها بغضب ممزوج بالعتاب وقال :
ـ جوزك اللي فهمك كده ؟! قدر يعبي دماغك ويفهمك حاجات مغلوطة..
قاطعته بحدة لم تعهدها في نفسها وقالت:
ـ جوزي مش محتاج يعبي دماغي، اللي عشته على ايديك كفاية .
اشتدت نظراته وقست نبرته وهو يقول:
ـ عشتي إيه ؟! شفتي إيه عشان تقولي إني محبتكيش.. عمري ضربتك ولا أهانتك ؟! إيه يعني كنت قاسي معاكي شوية؟! لا رميتك في النار ولا قصرت معاكي بأي شكل ..
رفعت حاجبيها بدهشة، وقد صدمها منطقه وثقته الغريبة، كأن القسوة التي يتحدث عنها أمر عادي، وكأن الألم الذي عاشته لا يُحسب ولا يُرى.
تابع بصوتٍ بدا وكأنه يحاول تبرير ما لا يُبرَّر :
ـ اتربيتي أحسن تربية، كنت بعيد عنك صحيح، بس زينب كانت معاكي وعينيها عليكي وكنت واثق أنها هتربيكي صح ومش هتهملك ..
رفعت رأسها نحوه، وعيناها تشتعلان غضبًا وألمًا، وهتفت بصوتٍ مرتجف لكنه حاد :
ـ وبالنسبة لانك رميتني في ملجأ ؟! إزاي قدرت تعمل فيا كده ؟! إزاي كنت بتنام وبنتك بعيد عنك ، إزاي قبلت على نفسك تيتمني وانت عايش ؟! ليه ؟! أنا عملت لك ايه عشان تظلمني وتقسى عليا بالشكل ده ؟!
انحنى رأسه ببطء، وكأن الكلمات أخيرًا وجدت طريقها إلى صدره، وأومأ بندمٍ ثقيل قبل أن يتمتم:
ـ أنا آسف .
اتسعت عيناها في ذهولٍ خالص؛ لم تكن تنتظر هذه الكلمة، ولم تتخيل يومًا أن تسمعها منه. زلزلتها للحظة، لكنها تماسكت سريعًا، وابتلعت ارتجافها قبل أن تقول بغضبٍ مرير :
ـ للأسف جت متأخرة أوي .. أنا دلوقتي مبقيتش مستنية أسفك، لأنه مش هيداوي حاجة، مش هيصلح اللي انت كسرته جوايا .. انت دمرتني وقهرتني وعذبتني بكل الأشكال ..
وتابعت، وكأنها تفرغ سنواتٍ كاملة من القهر دفعةً واحدة :
ـ انت خطفت مني طفولتي وشبابي.. انت حطمتني وخليتني فقدت الثقة في نفسي ، أنا اكتئبت بسببك.. كرهت نفسي والحياة بسببك .. انت أسوأ أب على الإطلاق !
ألقت كلماتها الأخيرة وانفجرت باكيةً، أسندت وجهها إلى كفيها وأجهشت ببكاءٍ مرير، بينما ظلّ هو يحدق فيها بصمتٍ ثقيل، كأن الكلمات نزعت عنه ما تبقّى من قناع القوة.
ارتجفت أنامله فوق ذراع المقعد المتحرك، وشحب وجهه أكثر، لا من العجز الذي يقيّده، بل من عجزٍ أعمق… عجز الأب الذي يدرك متأخرًا حجم الخراب الذي صنعه بيديه.
كان يسمع بكائها كأنّه محاكمة علنية، لا مهرب منها، ولا مرافعة تنقذه.
تنفّس بصعوبة، ثم قال بصوتٍ مبحوح، أقلّ صلابة مما اعتادت سماعه منه:
ـ أنا غلطت في حقك كتير أنا معترف … وغلطتي كانت أكبر من أي مبرر… بس انتي طول عمرك متمردة ولو مكنتش عملت كده كنتي ….
توقّف فجأة، فتابعت وهي تحدّق فيه بغضبٍ ممتزج بالاستنكار:
ـ كنت إيه؟! كنت هخرج عن طوعك يعني؟!
اشتدّ فكه في خطٍ مستقيم، وارتسم الغضب على ملامحه وهو يردّ بنبرة مكفهرة:
ـ إنتي رفعتي عليّا السلاح وإنتِ عندك تمن سنين… في طفلة في السن ده تعمل اللي إنتِ عملتيه؟! أنا وقتها حسّيت إني بفقد السيطرة عليكي، وكان لازم أقوّم سلوكك بأي شكل وبأي تمن.
هزّت رأسها بسخرية جارحة، وقالت باستنكار:
ـ تقوّم سلوكي؟!
ثم ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة وأردفت:
ـ إنت ما قوّمتش سلوكي… إنت شوّهتني. غرّبتني لوحدي وأنا طفلة، حكمت عليا بالنفي لبلد تانية وأنا لوحدي.. حرمتني من أخويا، وخلّيتني أواجه الدنيا من غير ضهر. وفي الآخر رميتني في دار أيتام وكأني ماليش حد!
شردت عيناها لحظة، وكأنها انزلقت قسرًا إلى ذلك الماضي القاسي، ثم تابعت بصوتٍ واهن:
ـ صاحب الدار كان بيتحرش بيا…
رفعت نظرها إليه بوجعٍ عارٍ:
ـ إنت متخيل أنا عانيت إزاي بسببك؟!
أسقط رأسه ببطء، وكأن الكلمات هوت فوقه دفعة واحدة. تسلّل إلى ملامحه حزن ثقيل وسخط مرير من قسوته القديمة، وشعر لأول مرة أن ما فعله لم يكن حزمًا… بل جريمة لا يغفرها الزمن.
ابتلعت ريقها لتستعيد صلابتها، كأنها تُغلق بابًا على ضعفٍ قديم أقسمت ألّا يعود. رفعت ذقنها قليلًا وقالت بنبرة حاولت أن تكون ثابتة:
ـ وفوق كل ده… سرقت مني الأمل اللي كنت عايشة عليه، قتلت إنسان مالوش ذنب غير إنه حبني.
رفع عينيه إليها بقسوة، وصوته خرج حادًا كالسِّكِّين:
ـ كنتي عايزاني أتصرّف إزاي وأنا شايفك بتهربي مع واحد؟! آخده بالحضن يعني؟!
انفجر غضبها دفعة واحدة، كأن الكلمات قادرة على إعادة ما سُلب منها:
ـ كان هيتجوزني! ما هو طلبني منك أكتر من مرة وإنت اللي رفضت!
هتف مستنكرًا، وقد اشتدّ فكه بضيق:
ـ يعني كل واحدة حبت واحد واتقدملها واترفض يبقى ده مبرر تهرب معاه وتتجوزه من ورا أهلها؟!
ضحكت ضحكة قصيرة مهزوزة، لا تشبه الضحك في شيء، ثم قالت بمرارة:
ـ أهلها؟! أي أهل؟! أنا كنت لوحدي… دايمًا لوحدي.. حازم كان هو كل أهلي .
تقدمت خطوة أخرى، عيناها تلمعان بوجعٍ قديم:
ـ إنت شُفت تصرّفي ونسيت سببَه. شُفت النتيجة وتجاهلت الطريق اللي وصلني ليها. أنا ما هربتش علشان أعصيك… أنا هربت علشان أعيش.
سكتت لحظة، ثم أردفت بصوت منخفض لكنه قاطع:
ـ حازم كان الأمل الوحيد وقتها عشان أعيش وانت قتلت الأمل ده وقتلتني معاه .
ظل ينظر إليها، الكلمات عالقة في صدره، لا يجد لها مخرجًا. لأول مرة، لم يكن لديه ردّ. لأول مرة، بدت سلطته قديمة، مهزومة… بينما وقفت هي أمامه، امرأة خرجت من تحت الركام، تحمل جراحها علنًا، بلا خوف.. وتقول :
ـ أنا مهما أوصف لك أنا عشت إيه وشفت إيه مش هقدر أوصل لك الإحساس اللي كنت حساه ، مفيش كلام يقدر يوصف شعوري ناحيتك وقتها كان عامل ازاي ! أنا كرهتك ..
رفع عينيه إليها بدهشة صريحة من جرأتها، لكنها لم تمنحه فرصة للدهشة، بل تابعت بصوت ثابت يناقض ما يعتمل في صدرها:
ـ ولحد دلوقتي… مش قادرة أحبك. مش قادرة أحس إنك أبويا.
أشاحت بوجهها جانبًا لحظة، كأنها تلتقط أنفاسها، ثم عادت تنظر إليه بجمود مصطنع، وقالت بنبرة قاسية رغم الارتجاف الخفي في عينيها:
ـ حتى الشفقة مش قادرة أحس بيها ناحيتك وانت في الحالة دي. حاسة إن اللي حصلك أقل بكتير من اللي تستحقه… ده جزاء متأخر أوي.
انت ظلمتنا كلنا، وافتريت علينا، وكان لازم تدوق من نفس الكأس.
بس يا خسارة… حتى وانت بتتعاقب كنت محظوظ، لأن العقاب جه بعد ما عملت كل اللي نفسك فيه.
نهضت من مكانها، تطالعه من علوٍ بنظرة ممتلئة بالغضب والخذلان، وهتفت:
ـ علشان كده متتوقعش إني أضعف قدامك أو إنك تصعب عليا.
للأسف… انت معملتليش ولا حاجة واحدة حلوة تشفع لك.
همّت أن تتحرّك، أن تُنهي تلك المواجهة قبل أن تتشقّق القشرة الصلبة التي احتمت خلفها طويلًا، قبل أن يفضحها وجعها…
لكن صوته استوقفها فجأة، حادًا ومُثقلًا بما يشبه الاعتراف المتأخر :
ـ أصلًا… لو قلتي غير كده متبقيش بنت سالم مرسال.
استدارت نحوه ببطء، والدهشة بادية على ملامحها، تحاول التقاط مغزى كلماته، فوجدته يحدّق فيها بعينين مثقلتين باعترافٍ طال كتمه، وقال بصوتٍ خافت لكنه نافذ:
ـ تعرفي؟.انتي أكتر واحدة في إخواتك ورثتيني.
عقدت حاجبيها في حيرة، فتابع دون أن يمنحها فرصة للرد، وكأن الكلمات تدفقت أخيرًا بعد طول احتباس:
ـ العناد اللي فيكي، القسوة اللي بتطلعيها وقت اللزوم، الجبروت اللي في نظرتك ونبرة صوتك دلوقتي… دول مش من صنع عاصم ولا من اللي شفتيه بعده.
دي مني أنا.
زفرت بحدة، تهز رأسها نفيًا، كأنها ترفض أن تحمل شيئًا منه داخلها، لكنه أكمل بنبرة أكثر صلابة:
ـ من وإنتي صغيرة وجواكي تمرد وعناد، كنت شايفه وخايف منه في نفس الوقت .. يمكن علشان كده حاولت أبعدك عني، كنت بشوف في نظراتك دايما جبروت لا يستهان بيه .. كنتي محتاجة فرصة بس… ودلوقتي الفرصة دي جات.
تلاقت عيناها بعينيه، وفيهما غضب، إنكار، ووجع قديم، بينما هو أردف وكأنه يضع الختم الأخير على اعترافه:
ـ لما قلبك قوي، ولما لقيتي حد واقف في ضهرك، شخصيتك الحقيقية طلعت.
مش لأنك اتغيرتي… لكن لأنك أخيرًا ظهرتي على حقيقتك اللي أنا دفنتها زمان .
ساد الصمت بينهما، صمت ثقيل ومشحون، وهي تشعر لأول مرة أن ما تكرهه فيه يسري في دمها، وأن ما تحاول الهرب منه يسكنها أكثر مما تظن.. فهتفت بقسوة :
ـ لأ .. أنا مستحيل أكون زيك ولا أخد منك أي صفة، مستحيل !
ابتسم ابتسامة مريرة ثم قال بنبرة لا تخلو من مرارة وفخر مختلطين:
ـ غصب عنك… ومهما حاولتي تنكري انتي بنت سالم مرسال.
تقدّمت خطوة أخرى نحو الباب، ثم توقفت فجأة، كأن خيطًا خفيًا شدّها من ذاكرتها. تذكّرت سبب مجيئها، السبب الحقيقي الذي لم تُنهِ من أجله هذه المواجهة بعد.
أدارت رأسها قليلًا فقط، دون أن تلتفت بجسدها، وقالت بصوتٍ ثابت يخالف الاضطراب الذي يعصف بصدرها:
ـ زيك.. مهما حاولت تنكر زينب بس ده لا ينفي حقيقة كونها أختك .. بنت عبدالعظيم مرسال .
تجمّد في مكانه.
سقط الاسم عليه كضربةٍ صامتة، لا صوت لها لكن مفعولها كان فادحًا.
شدّ أصابعه على مسندي المقعد المتحرك، وتصلّبت ملامحه، بينما انكسرت في عينيه تلك القشرة الصلبة التي احتمى بها طويلًا.
إذًا عرفوا أن زينب تكون أخته؟!
ومن الذي أخبرهم؟!
سؤال واحد قفز إلى ذهنه بلا تردد…
لا بد أن حسن هو من فعل.. فتنهد ثم قال :
ـ مين اللي قالك الكلام ده ؟!
تنهدت نسيم ثم قالت بصوتٍ مُنهك :
ـ فريد قال قدام الكل في المستشفى إنها عمتنا .
اشتعل الغيظ في عينيه حتى كاد يطحن أسنانه، ومد يده إلى هاتفه بعصبية، ينوي الاتصال بحسن في الحال، لكن طرقات خفيفة على الباب أوقفته. تراجع بيده لحظة، وقبل أن ينطق، فُتح الباب ودخل حسن بنفسه.
توقف حسن عند المدخل يتأملهما، يدرك من نظراتهما أن المواجهة مشتعلة بالفعل، بل مواجهة حامية الوطيس فتقدم بهدوء محسوب وقال:
ـ مساء الخير.
نظر إليه والده بحدة وأردف بدون مقدمات :
ـ انت اللي قلت لاخواتك إن زينب تبقى أختي ؟!
صمت حسن لثوانٍ، ثم أومأ ببطء وقال :
ـ أيوة أنا ..
اشتدت نبرته وهو يهتف بحدة :
ـ عملت كده ليه ؟!
رد حسن بهدوء لم يخلُ من حدّة مكبوتة :
ـ وإيه اللي يمنع ؟!
ـ اللي يمنع إني مش عايز .. لو كنت عايزكم تعرفوا كنت قلت لكم من زمان .
تنهد حسن، وأدخل يديه في جيبي بنطاله، وجال بعينيه سريعًا في الغرفة قبل أن يعود إليه بنظرة ثابتة وقال:
ـ لو الموضوع ماشي على حسب انت عايز أو مش عايز، ماكنش حد عرف الحقيقة أبدًا… وزينب كانت هتفضل ساكتة، شايلة الحِمل لوحدها لحد ما تموت.. مش عشان راضية، لأ. عشان مغلوبة على أمرها .
اشتدّت نظرة سالم، وارتسم الغضب في عينيه وهو يقول بحدة مكتومة:
ـ وانت مالك؟! انتم مالكم أصلا ؟! اللي بيني وبين زينب ده حساب قديم، محدش طلب منكم تدخلوا .
اقترب حسن خطوة، لم يرفع صوته، لكن نبرته كانت كافية لتُشعر بثقل ما يحمله:
ـ لأ، لينا. لأن اللي يسكت عن الظلم يبقا شريك فيه.. وإخواتي كان من حقهم يعرفوا الحقيقة ..
نظرت إليه نسيم فجأة، وقاطعته بحدةٍ ظاهرة، و بنبرة غاضبة لا تخلو من مرارة:
ـ وأنا مش من ضمن إخواتك؟! ولا اخواتك دول فريد وعمر وبس؟!
وأزاحت خصلات شعرها بعصبية، ثم أضافت باستهجان لاذع:
ـ آه صح… ونغم!
وتابعت، وعيناها تقدحان غضبًا:
ـ نغم، اللي المفروض مش من العيلة أصلًا، عارفة كل أسرار العيلة، وأنا آخر واحدة أعرف!
رمقها حسن بدهشة امتزجت بحدّة، وهتف بنفاد صبر:
ـ إيه اللي بتقوليه ده يا نسيم ؟! انتي هتخيبي ولا إيه؟! نغم مين اللي مش من العيلة؟! نغم قبل ما تكون مرات أخونا فهي بنت خالتنا… بمزاجك أو غصب عنك.
ضحكت نسيم ضحكة قصيرة خالية من أي مرح، ثم نظرت إليه نظرة قاسية وكأنها تود أن تنتزع تلك الحقيقة من جذورها، وقالت:
ـ بنت خالتك إنت.
ثم تقدمت خطوة، ووقفت أمامه بتحدٍّ صريح، وأضافت بنبرة حاسمة:
ـ أنا أمي… ناهد هانم مرسال الله يرحمها… ملهاش إخوات.
كانت كلماتها واضحة، قاطعة، كأنها ترسم خطًا فاصلًا لا تسمح لأحد بتجاوزه؛ حقدٌ قديم على “عيشة”، وإنكارٌ متعمّد لأي رابطة تحاول أن تُفرض عليها بالقوة.
وبينما كان حسن يطالعها بمرارةٍ لم يستطع إخفاءها، جاء صوت والده حاسمًا:
ـ وصل أختك بيتها يا حسن… وبعد ما توصلها تعالى، عايزك.
أشاحت نسيم بوجهها عنه سريعًا، فقد بدأت نظراته تربكها، ثم التفتت إلى والدها وهي تشد قبضة يدها حول ذراع حقيبتها قائلة بجمود:
ـ ملوش لزوم… السواق مستنيني بره.
وغادرت الغرفة دون أن تنتظر ردًا.
لحق بها حسن على الفور، أراد أن يستوقفها، أن يقول شيئًا… أي شيء، لكن ما إن خرج خلفها حتى رن هاتفه.
توقف في مكانه، أخرج الهاتف، وجاءه صوت فريد مثقلًا بالقلق:
ـ عملت إيه يا حسن؟!
تنهد حسن بعمق، وعيناه تتابعانها وهي تستقل السيارة وتغادر، ثم قال بعجزٍ واضح:
ـ معملتش حاجة… جت فعلًا، بس معرفش اتكلموا في إيه، ومشيت أهي .
زفر فريد زفرة طويلة مسموعة، ثم قال:
ـ طيب حاول تكلمها وتهديها ..
وسكت لحظة قبل أن يضيف باستسلام:
ـ أنا مش عارف والله هنلاقيها منين ولا منين.
اعتدل حسن في وقفته وسأله بقلق:
ـ في إيه تاني؟!
أجابه فريد بنبرة مقتضبة تحمل توترًا مكتومًا:
ـ نغم عرفت اللي قاله عمر… ومنهارة طبعًا. حاولت أهديها بالعافية، بس مش قادرة تتخطى اللي سمعته، وهتفضل تفكر فيه. وأنا بالعافية خليتها تجاوزت الكلمتين اللي قالهم أبوك قبل كده .
أظلمت عينا حسن وهو يسأل بحدة مفاجئة:
ـ عرفت إزاي؟!
زفر فريد بضيق وقال بسخرية مرة:
ـ نادية الصواف.
رفع حسن بصره تلقائيًا نحو غرفة نادية، وقد ازدادت نظراته قتامة، وقال بنبرة قصيرة حاسمة:
ـ هكلمك بعدين.
وأغلق الهاتف، ثم اندفع مباشرة نحو غرفة نادية.
مد يده إلى المقبض، وفتح الباب بعنف، غير عابئ باستئذان أو ذوق أو أي اعتبار.
وفي لحظةٍ خاطفة، وجدته نادية أمامها… يقف في المدخل، وهو يرمقها بنظرات مظلمة .
كانت تقف أمام خزانتها، تسحب منامة لتبديل ملابسها، وما إن رأته حتى اشتعل الغضب في عينيها، وهتفت بحدة لاذعة:
ـ إنت يا وقح يا حقير إزاي تدخل عليّا من غير استئذان؟! هو إنت فاكر إن هنا الزريبة اللي انت اتربيت فيها؟!
رمقها بثبات مخيف، وبدأ يتقدم نحوها بخطوات بطيئة، أربكتها وجعلتها تعتدل في وقفتها وهي تحدق فيه بدهشة حذرة.
ومع اقترابه أكثر، شعرت بالمسافة بينهما تضيق، فتراجعت بخطوات ثقيلة محاولة الحفاظ على أي فراغ بينهما، وهي تصرخ:
ـ إنت بتعمل إيه؟! اطلع برّه حالًا يا متخلف!
توقف أمامها مباشرة، عيناه تقدحان شررًا، وصوته خرج غاضبًا عاصفًا وهو يقول:
ـ من غير غلط يا ولية انتي !!
اتسعت عيناها بذهول وهي ترد باستنكار :
ـ ولية ؟! أنا ولية ؟!!
اقترب خطوة أخرى، وقف أمامها، نظر إليها بغضبٍ عاصف وقال بنبرة منخفضة لكنها حادة كالسِّكِّين:
ـ شيلي نغم من دماغك… خالص.
ضحكت نادية ضحكة قصيرة ساخرة، تحاول التماسك، وقالت بتحدٍّ:
ـ نغم؟! نغم مين دي اللي أحطها في دماغي أصلا انت اتجننت؟! وبعدين هو انت جاي تهددني في بيتي؟!
اقترب خطوة أخرى، حتى صار حضوره خانقًا، وقال وعيناه لا تفارقانها:
ـ أولا ده مش بيتك .. ده بيت سالم مرسال ، بيتنا لامؤاخذة، بس انتي موجودة هنا جدعنة من أبويا عشان ابنك عمر .
فتحت فمها لتعترض، لكنه أسكتها بنظرةٍ صلبة، قبل أن يهتف بصوتٍ مرتفع وحاد لا يقبل نقاشًا:
ـ ثانيًا… أنا مش بهددك، أنا بحذّرك. نغم خط أحمر!
اشتعل الغضب في عينيها، وتحول في لحظة إلى نارٍ أرادت أن تصيبه بها، فابتسمت بسخريةٍ لاذعة وهي تقول محاولةً طعنه في أعمق نقطة:
ـ مش قادر تبطل تحبها، مش كده؟! مش قادر تنساها، رغم إنها خلاص هتبقى مرات أخوك!
عقد حاجبيه وهو يحدق فيها بدهشةٍ ممتزجة بالاشمئزاز من جرأتها، لكنها لم تتوقف، بل واصلت بنبرةٍ أكثر وقاحة:
ـ بس السؤال الأهم هنا بقى، يا ترى هي حبت فريد بجد ؟! ولا يمكن هي كمان مش قادرة تنساك؟! ومضطرة تمثل على فريد عشان تفضل في العز اللي هي فيه.
أظلمت عيناه تمامًا وهو يستمع لافترائها الذي ألقته بكل سهولة، فانفلت غضبه وأفلت لسانه دون حساب:
ـ ليه؟ انتي فاكرَاها زيك ولا إيه؟!
اتسعت عيناها بصدمة، وتيبست ملامحها وهي تحدق فيه في ذهولٍ صامت، لكن قبل أن تنبس بكلمة باغتها بقسوةٍ أشد:
ـ ما هو طبيعي… كل واحد بيشوف الناس بعينه.
وتابع بنبرةٍ قاطعة جارحة:
ـ يعني الست الكمّل هتشوف الستات كلهم زيهم ..
ثم أردف بصوتٍ جارحٍ كالسوط:
ـ والست الشمال… هتشوف الستات كلهم شمال زيها برده.
ابتلعت ريقها بعنف، وارتفع الغضب في صدرها حتى اختنق صوتها وهي ترفع يدها لتصفعه:
ـ إنت زوّدتها أوي!
لكن يده سبقتها، وأطبق على معصمها في الهواء بقبضة قاسية أوقفتها في مكانها، وقال ببرودٍ مخيف:
ـ هو أنا قلت حاجة لسه؟
صرخت فيه بنبرة مدوية كالقصف:
ـ اسمعني يا بني آدم إنت!
فباغتها بصوته العالي الجامد:
ـ لا… اسمعيني إنتِ.
شيلي نغم من دماغك، وشيلينا كلنا من دماغك.
أنا فاهم إنتي بتعملي إيه، وصاحي وواعي لك كويس أوي… وحابب أطمنك: أنا لا متربي وذوق زي فريد، ولا طيب وعلى نياتي زي عمر.
ومال بجذعه نحوها وهو يهتف بصرامة :
ـ أنا من الآخر كده… ما اتربيتش.. يعني لا هيفرق معايا انتي مين ولا صفتك إيه !!
حدّقت فيه باحتقارٍ صريح، وعيناها تمسحانه بازدراء وهي تحاول انتزاع معصمها من قبضته، بينما هو تابع بنبرة واثقة :
ـ لو حاولتي تلمحي لنغم من قريب أو من بعيد عن الماضي واللي كان .. هضطر أنا كمان ألمح لك عن الماضي واللي كان .. ونشوف بقا مين فينا ماضيه أوسخ من التاني ..
ضيّقت عينيها، تحاول أن تستشف إلى أي مدى يعرف عنها، ومن أين يستمد تلك الثقة الجارحة في حديثه، فسألته بنبرة حذِرة امتزج فيها التحدي بالقلق:
ـ قصدك إيه؟
ابتسم ابتسامة خالية من أي ود، وقال ببرود قاسٍ:
ـ قصدي انتي عارفاه كويس .. مش معقول نسيتي دبي واللي كان بيحصل فيها زمان .. مش معقول نسيتي الشيخ عبدالعزيز الهاجري الراجل المحترم اللي كان بيخليكي ولا مؤاخذة ترافقي رجال الأعمال وتجيبي له معلومات عنهم ..
اقترب خطوة أخرى، وصوته يزداد حدّة:
ـ ومش معقول نسيتي إن من كتر ثقة أهل جوزك فيكي وفي أخلاقك العالية عم بناتك طالب بإثبات نسبهم عشان يضمن إنهم بنات أخوه مش بنات حرام ولا مؤاخذة .
اتسعت عيناها بذهول صاعق، وبدأت يدها التي ما زال يمسكها ترتجف، تسللت برودة خانقة إلى أطرافها وصعدت حتى حلقها، فابتلعت ريقها بصعوبة، وهمست بصوت متحشرج:
ـ إنت وقح… وقح.
لم يخفَ عليه أثر كلماته، بل زاده قسوة، فقال بنبرة أشد وقعًا:
ـ أنا حبيت أوريكي بس إني مليش سُلطة على لساني واللي عايز أقوله بقوله ، عشان تعرفي اني عارف كل واحد حواليا عامل ازاي وماضيه شكله ايه .
وتابع وهو يحدّق فيها بصرامة:
ـ واذا كنت بعاملك بأدب فعشان ابنك يبقى أخويا.. واحتراما ليه مينفعش أقِل منك ..
وأفلت رسغها أخيرًا، فهبطت يدها فجأة وكأنها فقدت قوتها، بينما هو يُكمل بنبرة تحذير لا تقبل الجدل:
ـ لكن لما تجيبي سيرة نغم .. أو سيرة أي حد من لحمي ودمي .. أنا أول واحد هقف لك ، وهقف لك بطريقة متتخيليهاش .. عشان كده تجنبيني أحسن لأن الغلطة معايا بفورة .
ومال قليلًا للأمام، وصوته خرج باردًا مخيفًا:
ـ متنسيش إنك عندك بنت ومينفعش أبدّا تعرف تاريخ أمها المشرف ..
تجمدت ملامحها، وارتبكت أنفاسها رغم محاولتها إخفاء ذلك، بينما هو ابتسم ابتسامة جانبية خالية من أي دفء،
ثم استدار ليغادر، ثم توقف عند الباب وأضاف دون أن يلتفت:
ـ ده آخر تحذير ليكي يا نادية…. هانم !!
وما إن استدار حسن وغادر الغرفة، حتى فوجئ بجيلان تقف عند الباب… وقد سمعت كل ما دار بينه وبين والدتها.
رآها.. عيناها الزرقاوتان، اللتان اعتاد أن يرى فيهما التحدي والصلابة، كانتا الآن مهزومتين، غارقتين بالدموع، متسعتين من فرط الصدمة.
تسمّر في مكانه، يحدق بها غير قادر على الحركة، بينما ابتلع ريقه ببطءٍ ثقيل.
تحرّكت نظراتها أولًا نحو والدتها… نظرة واحدة فقط، لكنها كانت مشبعة بالنفور والخذلان، ثم عادت بعينيها إليه.
نظر إليها بصمت، وقد ذبلت ملامحه، كأن اعتذارًا كاملًا تشكل في عينيه دون أن ينطق. كان يدرك أن أسوأ ما في الأمر ليس الحقيقة ذاتها، بل الطريقة المخزية التي عرفتها بها… على يديه.
تحرّكت جيلان خطوة إلى الخلف، ولا تزال تحدق به، ثم استدارت فجأة وأكملت سيرها سريعًا نحو الدرج.
لحق بها وهو ينادي اسمها، صوته مهزوز ومضطرب، لكنها لم تجب.
كأنها لم تسمعه… أو ربما سمعته، لكن الصدمة كانت أعلى من أي استجابة.
غادرت مسرعة، ركبت سيارتها بنفس الاندفاع، بينما كان يناديها من خلفها محاولًا إيقافها، محاولًا الاعتذار… رغم أنه يعلم في قرارة نفسه أنه لم يكذب ولم يفتَرِ، بل قال الحقيقة فقط.
انطلقت جيلان بسيارتها، فاستقل سيارته على الفور ولحق بها.
لم يكن يعرف سر هذا القلق الذي يجتاحه، ولا سبب هذا الاندفاع.
هو يعرف أنه لم يفعل سوى أن كشف حقيقة لوالدتها… حقيقة شنعاء لكنها حقيقية.. ولكنه يعرف كذلك أنها مؤلمة وجارحة إلى درجة لا تحتمل .
انطلقت بالسيارة تشقُّ الطريق بجنون، تضغط على دواسة الوقود حتى آخرها، كأنها تهرب لا من المكان فحسب، بل من نفسها أيضًا. الطريق أمامها كان شبه خالٍ بسبب تأخر الوقت، مقطوعًا وموحشًا، لكنه بدا لها آنذاك أرحم من الأفكار التي تنهش رأسها بلا هوادة.
وخلفها، كان حسن يزيد من سرعة سيارته، عيناه معلّقتان بها في خوفٍ لم يعرف له تفسيرًا واضحًا. راقبها وهي تعبر الطريق بلا اكتراث، كأنها تلقي بروحها إلى التهلكة، وكأن الحياة فقدت فجأة أي قيمة تُمسكها بها. اشتد القلق في صدره، وخاف… خاف عليها رغم كل شيء.
أما هي، فكانت تبكي وترتجف كما لم يحدث من قبل. بكاءٌ بلا صوت أحيانًا، وبلا توقف أحيانًا أخرى. كلمات حسن تتردد في أذنيها بوحشية، لا تمنحها فرصة للهدوء أو الهروب، والحقيقة الموجعة التي انكشفت أمامها كانت كإعصار يقتلع ما تبقى من ثباتها.
طوال حياتها، كانت ترى والدها مثالًا للكمال، رجلًا نقيًّا لا تشوبه شائبة. وكم شعرت بالحقد أحيانًا على أمها لأنها كانت تختلق معه المشكلات، كانت ترى أن بإمكانها أن تتحمّل، أن تصبر، أن تتجاوز..
واليوم… اليوم فقط، تكتشف أن الصورة التي عاشت بها كانت كذبة كبيرة.
لم يكن والدها مثاليًا كما ظنّت، بل كان أبعد ما يكون عن ذلك؛ رجلًا بلا شرف، يستغل زوجته ليحقق مصالحه، يستخدمها أداة للإيقاع بخصومه، ويغلف قذارته بثوب الوقار.
لكن الصدمة الأكبر لم تكن فيه وحده… بل فيها هي.
أمها… المرأة التي طالما رأتها قوية، صلبة، ذات بأس، لم تكن بريئة كما تخيلت. كانت شريكة في ذلك المستنقع، ارتضت أن تتنازل، أن تنحدر إلى ذلك المستوى، أن تبيع كرامتها مقابل البقاء.
تذكرت وقفتها منذ دقائق أمام حسن، وهو يواجهها بماضيها، كيف صمتت، كيف انكسرت، كيف لم تجرؤ حتى على الدفاع عن نفسها. ذلك الصمت كان أبلغ من أي اعتراف.
اختلطت المشاعر داخل جيلان حتى عجزت عن تسميتها؛ خذلان، قرف، غضب، حزن، وانكسار عميق. شعرت وكأن الأرض تُسحب من تحت قدميها، وكأن كل ما آمنت به كان وهمًا هشًا انهار دفعة واحدة.
ضغطت على المقود بقوة، والدموع تحجب رؤيتها، لا تعرف إلى أين تذهب… كل ما تعرفه أنها لم تعد قادرة على العودة، ولا حتى على التوقف.
اظلم الكون كله أمامها دفعةً واحدة، وكأن ستارًا كثيفًا من العتمة هبط على روحها قبل عينيها. للمرة الأولى شعرت أن حياتها بلا معنى، بلا قيمة حقيقية.
چيلان… تلك التي عُرفت دومًا بالصلابة والقوة، انهارت. انهارت تحت وطأة صدمة لم تترك في داخلها شيئًا سليمًا؛ صدمة حطّمت صورة والديها في عينيها، وسحقت معها كل ما كانت تؤمن به.
ضغطت على دواسة الوقود أكثر، والريح تعصف بخصلات شعرها ودموعها تختلط برؤيتها المرتبكة. الإحباط كان ينهش صدرها، واليأس يطبق على أنفاسها.
تدمرت حياتها… انتهت، هكذا شعرت.
وتمنت، بصدقٍ مخيف، لو أن كل شيء ينتهي الآن. لو أن الرحلة تتوقف هنا، بلا عودة، بلا حساب.
لمحها حسن وهي تنحرف فجأة إلى اليمين، فانحرف خلفها دون تفكير. لم يكن يعرف إلى أين تتجه، ولا ماذا تنوي، لكنه كان مدفوعًا بخوفٍ غريزي لا يقبل التراجع.
ضغط على الزامور مرارًا، فبرز صوته يشق الصمت الثقيل، يرجوها أن تتوقف… لكنها لم تفعل.
زادت سرعتها بعناد أعمى، وكأن الطريق صار ساحة سباق بين الحياة والفناء.
أما هي، فكانت تتآكل من الداخل.
لماذا تعيش؟ ولأجل من؟
ذكرى والدها الذي سقط من علياء المثالية إلى قاع الخزي.
أمها التي لم تعد في نظرها تلك المرأة النقية التي تفاخرت بها يومًا.
چوليا… التي رحلت وتركتها تواجه كل شيء وحدها.
وعمر… بالكاد قادر على إنقاذ نفسه، فكيف يكون سندًا لغيره؟
كانت تقود، لكنها في الحقيقة كانت تهرب.
تهرب من الحقيقة، من الوجع، من نفسها…
والطريق أمامها يبتلع الضوء شيئًا فشيئًا، بينما قلبها يوشك أن يتوقف قبل أن تتوقف السيارة.
ضغطت على دواسة البنزين أكثر، وكأنها تهرب من أفكارها، أو تلقي بنفسها في قلبها.
وفي تلك اللحظة…
انحرفت السيارة فجأة.
لم تشعر إلا بارتطامٍ عنيف…
دويٌّ صاخب شقّ الصمت، ثم ارتجّ جسدها بعنفٍ حين اصطدمت مقدمة السيارة بعمود إنارة على جانب الطريق.
اندفع رأسها للأمام، ثم عاد بقوة إلى الخلف،
دارت الدنيا حولها، تداخل الضوء مع الظلام،
وسمعت صوتًا مكتومًا، كأنه قادم من قاع بئر بعيد.
لم تفقد وعيها… لكنها تمنّت لو تفعل.
شعرت بدوارٍ حاد، بثقلٍ رهيب فوق صدرها،
أنفاسها متقطعة، يداها ترتجفان على المقود،
وعيناها شاخصتان لا تريان شيئًا سوى ومضاتٍ مشوشة.
لم تمت .
وتلك الفكرة لم تمنحها راحة، بل زادت وجعها أكثر لأنها تمنت لو أن النهاية قد جاءت، لتضع حدًا لكل هذا الصراع الذي يلتهم روحها بصمت .
في اللحظة نفسها، توقفت سيارة حسن بعنفٍ خلفها.
ترجّل منها مسرعًا، وقلبه يكاد يخرج من صدره،
اقترب من السيارة وهو ينادي اسمها بصوتٍ مرتعش:
— جيلان!
فتح الباب، فوجدها جالسة مكانها، رأسها يتدلى جانبًا .. شاحبة، نظرتها فارغة، وكأن روحها ابتعدت عنها خطوة كاملة.
انحنى عليها، تفحّصها بعينين مذعورتين،
وضع كفه على وجنتها برفقٍ لم يعرفه في نفسه من قبل، وهمس:
— چيلان.. انتي سامعاني؟
تحرّكت عيناها نحوه ببطءٍ مثقل، لم تذرف دمعة، ولم تطلق صرخة…
اكتفت بنظرةٍ موجعة، نظرة روحٍ انكسرت وتحوّلت إلى شظايا صامتة.
مال بجسده نحوها، يحدّق فيها بقلقٍ بالغ، وعيناه تجوبان ملامحها المرتجفة حتى توقّفتا عند زرقتيها المثقلتين بالدمع؛ عينين يخشاهما بقدر ما يجد فيهما طمأنينة غامضة. أراد أن يتحدّث، أن يقول أيّ شيء، لكن الكلمات خانته وتجمدت في حلقه.
وفجأة باغتته… اندفعت نحوه، تشبّثت بعنقه بذراعين واهنتين، كأنهما آخر ما تبقّى لها من قوة، ثم انهارت باكية، بكاءً مكتومًا حمل كل ما عجزت عن قوله.
تجمّد لوهلة، وتصلّب جسده على غير إرادته. لم يكن مستعدًا لهذا الانهيار المفاجئ، ولا لهذا القرب الذي داهمه بلا إنذار. قربٌ أربكه، جرّده من كل استعداد، وكشف داخله مساحة لم يكن يعترف بوجودها أصلًا.
لم يعرف ماذا يسميه…
لكنّه أدرك، بوضوحٍ مؤلم، أنّ ما انغرس في صدره الآن أعمق من أن يُختصر في كلمة، وأثقل من أن يُحاط بتعريف. شعورٌ وُلد من بين دموعها، وتشبّثها المرتجف، وانكسارها الصامت… شعورٌ تسلّل إليه دون استئذان، واستقرّ في قلبه كحقيقة لا مهرب منها.
أرخى كتفيه أخيرًا، كأن مقاومةً خفية داخله استسلمت. شعر بنداءٍ عميق يجذبه بعيدًا عن الحسابات والعقل، نداءٍ بدائي يدعوه للعودة إلى الفطرة، إلى الإحساس الخالص قبل التفكير. تخلّى عن منطقه، وترك نفسه تنساق خلف ما يشعر به دون تفسير.
ضمّها بحذر في البداية، كمن يختبر هشاشتها، ثم اشتدّ احتضانه حين أحس برجفتها تسري إليه، وبأنفاسها المتقطّعة ترتطم بصدره. كانت ترتعش بين ذراعيه كأنها تحمل ثقل عالمٍ كامل انهار فجأة، وكأن كل ما صدّقته يومًا تحوّل إلى شظايا في لحظة واحدة.
تشبّثت به لا لأنه المنقذ، أو البطل، بل لأنه الوحيد الذي شهد سقوطها الآن، الوحيد الذي رآها في ضعفها العاري دون أقنعة. وهو، إذ أدرك ذلك، لم يقل شيئًا… لم يحاول أن يسكّن وجعها بالكلمات. تركها تبكي كما تشاء، ترك دموعها تنطق بما عجز عنه صوتها، واكتفى بأن يكون حاضرًا .
مرّر كفّه على ظهرها ببطء، حركةٌ عفوية لا تخضع للتفكير، خرجت منه محمّلة بقدرٍ من الحنو لم يكن يعلم بوجوده داخله. وبعد لحظة صمتٍ ثقيلة، همس بصوتٍ خافت :
ـ أنا آسف…
لم تكن بحاجة إلى اعتذاره، ولا حتى إلى الكلمات نفسها؛ كانت تحتاج فقط إلى صمته. ذلك الصمت الآمن، الذي لا يطرح أسئلة ولا يطلب تبريرًا، الصمت الذي يحتضن الألم فيختصره وينهيه..
أما هو، فداهمه إحساس غريب، مباغت، لم يعرفه من قبل… شعر بأنه حيّ. حيٌّ بحق، لا على سبيل المجاز. كأنه يتنفس للمرة الأولى، وكأن هذا القرب، وهذا الانكسار بين ذراعيه، أيقظ شيئًا عميقًا كان نائمًا في داخله منذ زمن طويل.
شعر بها… أدرك فجأة أنها، برغم كل ما تتدثر به من كبرياء وعجرفة وحدّة، لم تكن صخرة صمّاء كما تخيّل يومًا، بل إنسانة من لحمٍ ودم، هشّة أكثر مما تُظهر، مكسورة أكثر مما تعترف، تحتاج فقط إلى لحظة أمان تسمح لها بالسقوط دون خوف.
اهتزّ كتفاها وهي تبكي، بكاءً عاريًا خالصًا، بلا مقاومة ولا أقنعة. أسندت رأسها على كتفه واستسلمت، وبكت كما لم تبكِ من قبل، كأنها تُفرغ سنواتٍ طويلة من الخذلان المكبوت، وكأن كل ما تحمّلته وحدها عبر الأعوام وجد أخيرًا طريقه إلى الانهيار.
ذلك العمود الذي اصطدمت به لم يكن سوى الذريعة… الشرارة الصغيرة التي أسقطت الجدار الأخير داخلها، الجدار الذي طالما احتمت خلفه لتبدو أقوى مما كانت عليه في الحقيقة.
༺═────────────────═༻
كان الفيلسوف الألماني هايدغر يقول:
إن أخطر ما يمر به الإنسان ليس الخطأ، بل اللحظة التي يكتشف فيها أنه كان هو نفسه الخطأ.
الندم يكشف هذا الإدراك.
إنه الشعور الذي يصنع مسافة بين “أنا الذي كنت” و“أنا الذي كان يجب أن أكون.”
وفي تلك المسافة يولد الوجع، لكن يولد معها الفهم أيضًا… والنضج. والتحول.
ــــــــــــ
ما إن أنهى عمر اجتماعه مع الموردين حتى استقل سيارته ينوي العودة إلى الڤيلا .
أمسك بهاتفه يحاول الاتصال بحسن ولكنه لم يجب، مرة بعد أخرى، يعاود الاتصال بحسن بإلحاحٍ متوتر، لكن بلا إجابة. ومع كل اتصالٍ لا يُجاب، كان القلق يتكاثف في صدره، ويتمدد كظلٍ ثقيل. تسلّل إلى ذهنه خاطرٌ أفزعه: أن يكون مكروهًا قد أصاب فريد مرة أخرى!
لم ينتظر تفسيرًا ولا منطقًا. دفعه الخوف دفعًا فذهب في طريقه إلى المشفى على الفور .
الطريق بدا أطول من المعتاد، وكل دقيقة تمر كانت تُثقل صدره وتخيفه أكثر ، وعندما لم يجد إجابة من حسن قرر الاتصال بنسيم، ولكنها كذلك لم تجب.
أزاد سرعة السيارة وهو يكاد يبتلع الطريق، وما إن وصل حتى اندفع إلى قسم الاستقبال، سأل عن غرفة فريد بصوتٍ لم ينجح في إخفاء ارتجافه، وما إن عرف الرقم حتى صعد دون تردد. كان الممر المؤدي إلى الغرفة خاليًا على نحوٍ مقلق، صامتًا أكثر مما ينبغي، فازداد خوفه، وتسارعت دقّات قلبه حتى كادت تُسمع.
توقّف أمام الباب لحظةً واحدة، لحظة قصيرة لم يسعفه فيها التفكير، ثم فتح الباب ودخل دون استئذان.
في تلك اللحظة، وقعت عيناه على فريد ممدّدًا على السرير، ملامحه هادئة، وإلى جواره زينب ونغم تجلسان ويتبادلون الحديث بود. عندها فقط شعر بأن صدره ينفتح، وكأن هواءً كان محبوسًا داخله قد انطلق فجأة. زفر أنفاسه بعمق، واستقر قلبه في مكانه من جديد.
رفع فريد عينيه إليه، والتقت نظراتهما في صمتٍ ممتلئ بما عجزت الكلمات عن قوله. رأى عمر في عيني فريد عتابًا خالصًا، لا صراخ فيه ولا اتهام، لكنه كان أوجع من أي لوم. وفي تلك النظرة، شعر عمر بصغره أمام نفسه، شعر بأنه لم يَخذله فقط، بل خان ثقةً أُودِعت فيه، وترك جرحًا عميقًا في قلبه .
ظل واقفًا عند الباب، لا يتقدّم ولا يتراجع، كأن تلك النظرة قد ثبّتته في مكانه، وكأن الاعتراف الصامت بينهما كان أثقل من أي كلام يمكن أن يُقال .
أما فريد، فلم يكن منشغلا بشيء الآن سوى نغم. تحرّكت عيناه ببطء من وجه عمر، الذي بدا عليه الارتباك والإنهاك، إليها. فوجد ملامحها مشدودة، كأنها استدعت دفعةً واحدة كل ما قاله عمر في حقها. كانت عيناها ممتلئتين بدموعٍ محبوسة، لا تسقط ولا تعود أدراجها، دموع تشبه الاعتراف الصامت بالألم.
أدرك فريد، في تلك اللحظة، أن حضور عمر قد فتح بداخلها جرحّا من جديد؛ وترك لها تذكيرًا قاسيًا بكلماتٍ لم تُنسَ، ولا يمكن أن تُغتفَر.
شعر بشفقةٍ موجعة عليها، وبعجزٍ أكبر منه. وجد نفسه ممزقًا بين طرفين:
أخٍ يقف أمامه نادمًا، منكسرًا، يحمل على ملامحه ثقل ذنبٍ لا يُخفى…
وزوجةٍ، وحبيبة عمره، جُرحت كرامتها بكلماتٍ اخترقت روحها، كلماتٍ لا يبررها ندم ولا يشفع لها اعتذار.
كان يرى الندم في عيني عمر بوضوح، يراه صدقًا لا تمثيل فيه، لكنه في الوقت ذاته كان يعلم أن بعض الكلمات، حين تُقال، تترك أثرًا لا تمحوه النوايا ولا تُصلحه الأعذار. ما قيل في حق نغم تجاوز حدود الغضب، ولامس جوهرها، وجرحها في أعمق نقطة.
وفي خضم هذا الصراع الصامت، كانت نغم هي من اتخذت القرار دون كلمة واحدة.
نهضت ببطء، ثم نظرت إلى فريد وقالت بهدوء :
ـ أنا هنزل تحت شوية ..
أومأ فريد برأسه موافقًا، مدركًا تمام الإدراك أنها لا تحتمل مواجهة عمر الآن. فحوّل نظره إلى زينب، و بإيماءة صامتة طلب منها أن ترافق نغم. نهضت زينب على الفور، واقتربت من نغم، ثم تحركتا معًا نحو باب الغرفة.
مرّتا بجوار عمر الذي ظل واقفًا في مكانه، صامتًا، منكسر النظرة. كان الخزي يثقل صدره إلى حدٍّ شلّ يده ولسانه، فلم يجرؤ على تحيتهما أو حتى رفع عينيه إليهما. غير أن نغم، وقبل أن تتجاوزه، توقفت للحظة، ورفعت عينيها نحوه، ترمقه بنظرة مثقلة بالخذلان، نظرة لم تحتج إلى كلمات، ثم استدارت وخرجت من الغرفة.
ظل فريد يتابعها بعينيه حتى اختفت خلف الباب. لم تغب عنه تلك النظرة المعاتبة التي ألقتها على عمر، ولا ذلك الانكسار الواضح الذي ارتسم على ملامحها لحظة رؤيته.
أما عمر، فبقي واقفًا في مكانه، مشوش الذهن، يتساءل في صمت عن سر تلك النظرة التي أربكته. كان على يقين أن لا فريد ولا حسن قد أفشيا ما قاله، فكيف عرفت؟ ولماذا بدت وكأنها تحاسبه بعينيها؟
أعاد بصره إلى فريد، يستأذنه بعينين متردّدتين، ويقول بصوتٍ خافت يختلط فيه الحرج بالقلق:
– ممكن أدخل؟
كان يرى ملامح أخيه متجهّمة، جامدة، قاسية بعض الشيء؛ فساوره شكٌّ ثقيل بأن وجوده قد لا يكون مرغوبًا فيه الآن.
لكن فريد، وكعادته دائمًا، خيّب توقّعاته.
فريد… ذلك القلب الذي مهما اشتدّ غضبه، ظلّ طيّبًا، متسامحًا، لا تعرف القسوة طريقًا إليه. رفع عينيه نحو عمر، ثم أومأ برأسه ببطء وهدوء، إيماءة قصيرة حملت سماحًا صامتًا لا يحتاج إلى كلمات.
ما إن التقط عمر تلك الإشارة حتى اندفع نحوه دون تردّد، كأنما كان ينتظرها منذ زمن.
عانقه بقوةٍ مفاجئة، عناقًا صادقًا خرج من أعماقه، حتى إن قوته آلمت فريد قليلًا، فتنفّس تأوّهًا مكتومًا لم يشأ أن يُظهره.
انتبه عمر أخيرًا، فأرخى ذراعيه سريعًا، وابتعد خطوة، ثم انحنى يقبّل رأس أخيه أولًا، ثم يده، وعيناه تفيض بندمٍ ثقيل، وهو يتمتم :
ـ أنا آسف .. والله آسف .. حقك عليا، أنا أستاهل أي حاجه تعملها فيا بس تسامحني .
كان يشعر أن كل لغات الاعتذار في العالم، وكل طقوس الندم، لا تكفي لتكفير ما اقترفه في حقه… لا تكفي لترميم شرخٍ أصاب الثقة في مقتل.
وقف أمامه صامتًا، منكسرًا، يحدّق فيه كمن ينتظر حكمًا فاصلاً؛ كلمة قد ترفعه من قاع الذنب أو تُغرقه أكثر.
تنفّس فريد بعمق، ثم أشار إلى المقعد المجاور وقال بهدوء متعب:
ـ اقعد.
لم يتجه عمر إلى المقعد، بل جلس إلى جواره على طرف السرير، قريبًا أكثر مما ينبغي، كأنه يبحث في القرب عن غفران. رفع عينيه إليه بلهفةٍ مكبوتة، يحاول أن يقرأ في ملامحه ما لم يُنطق بعد. أمّا فريد، فكانت نظراته ثابتة، غامضة، متأمّلة؛ ينظر إلى وجهٍ طالما اعتاد أن يسامحه، أن يتجاوز زلّاته دون حساب.
كان يعرف في قرارة نفسه أنه لو كان الخطأ موجّهًا إليه شخصيًا، لكان غفر كعادته. لكن الأمر هذه المرة تجاوز حدوده.
نغم…
زوجته.
كرامتها.
وما قيل في حقّها لا يُمحى باعتذار. ..
زفر فريد ببطء، ثم قال وهو يثبّت نظره فيه:
ـ عمري ما زعلت منك زي المرة دي يا عمر.
انخفض رأس عمر فورًا، كأن الكلمات أثقلت عنقه، وقال بصوتٍ مكسور:
ـ أنا آسف.
لكن فريد لم يتعلّق بالاعتذار، مضى في حديثه بنبرة أكثر صرامة:
ـ إنت عارف كويس إن لو الموضوع كان يخصّني أنا، كنت سامحتك من غير تفكير.
ثم توقّف لحظة، وأردف بوضوحٍ قاطع:
ـ لكن اللي مش قادر أسامحك عليه إنك تغلط في حق نغم بالشكل ده .. هي متستاهلش كده أبدا .
أومأ عمر برأسه ببطء، لا يجرؤ على رفع عينيه، والندم يثقله كحملٍ لا فكاك منه، بينما واصل فريد بنبرة أخفّ، لكنها أشد وقعًا: :
ـ نغم ملهاش حد غيرنا، أو.. هي كانت بتتعامل على الأساس ده.. إنها واحدة مننا ، لكن في ثانية جيت انت ونسيم دمرتوا الاعتقاد ده وأثبتوا ليها إنها ولا حاجة بالنسبة لكم .
رفع عمر ناظريه إليه باستفهام، وقال :
ـ مالها نسيم ؟
تنفّس فريد بعمق، وبدا الضيق واضح على ملامحه. أشاح بوجهه قليلًا، ثم قال وهو يروي ما حدث بنبرةٍ مثقلة بالخذلان :
ـ نسيم وقفت قدام نغم وقالتلي إزاي نغم تعرف إن زينب عمتي وأنا أنا اللي من العيلة ماعرفش .. يعني قالتها بوضوح إن نغم غريبة عن العيلة .
ثم أطلق ضحكة قصيرة مبتورة، خالية من أي مرح، وتابع بألمٍ واضح:
ـ حتى معملتش ليا أي إعتبار .. مفكرتش إن دي مراتي وكرامتها من كرامتي .. مفكرتش إن اللي يزعلها يزعلني واللي يقلل من احترامها يبقى كأنه بيقلل من احترامي بالظبط .
كان فريد يتحدّث بصوتٍ خفيض، لكنه مثقل بما يكفي ليكشف عمق ما بداخله. لم يكن يسرد ما قالته نسيم لمجرد الشكوى، بل كان يضع عمر أمام حقيقة جديدة، حقيقة لم يحتج يومًا إلى إعلانها من قبل. كان يشرح، كلمةً بعد أخرى، وكأنما يرسم حدودًا لم يكن مضطرًا لرسمها سابقًا، لأن الجميع اعتادوا طيبته وتجاوزه.
كلماته لم تحمل هجومًا صريحًا، لكنها كانت واضحة في معناها: نغم لم تعد تقف بمفردها. أي كلمة تُقال عنها، أي نظرة انتقاص، أي محاولة لتجاوزها، لا تصل إليها وحدها، بل تصله هو أولًا. وكرامتها لم تعد شأنًا شخصيًا يخصها، بل صارت امتدادًا مباشرًا لكرامته هو.
كان فريد يتكلم بهدوء رجلٍ يحاول أن يظل عادلًا، لا قاسيًا، لكنه في الوقت نفسه حاسم. يشرح لعمر أن التسامح الذي اعتاد أن يمنحه للجميع، ذلك التسامح الذي طالما غطّى أخطاءهم وزلاتهم، له حدود لا يمكن تجاوزها حين يتعلق الأمر بزوجته. لم يكن هذا تهديدًا، ولا عتابًا فحسب، بل تعريفًا صريحًا لما يجب أن يكون مفهومًا من البداية.
وفي طريقته الهادئة، كان يُلقي بعمر داخل هذا الإطار الجديد، دون أن ينطقه باسمه: أن ما قيل في حق نغم لا يُغتفر بسهولة، وأن الصمت أو التجاوز لن يكون خيارًا بعد الآن. وكأن فريد، وهو يحكي، كان يقول له دون أن يقولها صراحة… هنا تقف الخطوط، وهنا تنتهي المساحة الرمادية.
أما عمر، وقد تلقّى الرسالة كاملة دون أن تُقال صراحة، رفع بصره إلى فريد وقال بصوتٍ مثقل بالذنب :
ـ حقك عليا يا فريد .. أنا عارف إني غلطت وعارف إن اللي حصل لك ده بسببي .. وجت نسيم كمان زودتها، إنت متستحقش مننا كده، انت طول عمرك أب لينا كلنا وضحيت براحتك كتير علشاننا ..
هز فريد رأسه وقال محاولا طمأنته :
ـ لا مش بسببك، ده نصيب. متحملش نفسك فوق طاقتك .
لكن عمر لم يحتمل كلماته، فانقضّ عليه يعانقه مرةً أخرى، وانفجر باكيًا وهو يكرر :
ـ لأ بسببي .. حقك عليا .
تنفّس فريد بتعب، وربّت عليه محاولًا إبعاده عنه برفق، وقال بصوتٍ هادئ يحمل إرهاقًا واضحًا:
ـ ما خلاص يا ابني .. قلت لك ده نصيب، والحمدلله جت سليمة .
رفع عمر رأسه قليلًا، ومسح دموعه بطرف كفّه، وهمس:
ـ الحمدلله .. طيب إنت عامل إيه دلوقتي ؟!
ـ الحمدلله أحسن ، هخرج بكرة إن شاء الله..
ثم ابتسم ابتسامةً هادئة وهو يقول، كمن يُلقي خبرًا بسيطًا يخفي خلفه ارتجافًا داخليًا:
ـ الفرح يوم الاتنين كمان .
لم يحتج عمر إلى ثانية واحدة؛ أضاءت عيناه بفرحةٍ صادقة، وانفلتت منه ضحكة خفيفة قبل أن يندفع نحوه ويحتضنه بقوة، وكأن العناق هذه المرة ليس مجرد تهنئة، بل تعويض عن كل ما أثقله من ذنب:
ـ يا حبيب قلبي .. ده فرحنا كلنا مش فرحك انت .
تنفّس فريد بعمق، وقد ظهر عليه الإرهاق، فربّت على ذراع عمر محاولًا إبعاده قليلًا وهو يقول بنبرة متعبة يغلّفها مزاح خفيف :
ـ عمر .. أنا مش حِمل المخمضة دي، أنا عامل عملية والله.
ابتعد عمر خطوة، وعلى شفتيه ابتسامة لعوب، وغمزه بعينه كعادته حين يحاول كسر أي لحظة جادة :
ـ اومال هتتجوز إزاي يا كبير !
رفع فريد كفه مهددًا، ونظر إليه بجدية مصطنعة تخفي خلفها ألف شعور وقال :
ـ هناولك بضهر ايدي على وشك ..
قهقه عمر وهو يتراجع خطوة أخرى، رافعًا يديه باستسلام ساخر :
ـ ما خلاص يا عم، ده أنا لسه بعالج في آثار قلم المخبرين اللي اديتهولي يومها ..
تسللت إلى ملامح فريد ابتسامة خافتة، لكنها كانت مشوبة بشيءٍ أعمق… إحساس بالذنب لم يغادره، فقال بصوتٍ أخف:
ـ حقك عليا مكانش قصدي أمد ايدي عليك .
هزّ عمر رأسه سريعًا، وكأن الاعتذار يؤلمه أكثر من الصفعة نفسها :
ـ لأ انت مش غلطان، أنا غبي واستاهل .
أومأ فريد ببطء، تأكيدًا صامتًا، ثم خيّم صمت قصير بينهما.
قطع عمر السكون فجأة، وقد تبدلت نبرته إلى قلقٍ حقيقي، وقال وهو يحدّق في وجه أخيه محاولًا التقاط أي إشارة:
ـ فريد .. هي نغم بتبص لي كده ليه ؟! هي عرفت حاجة !
طالعه فريد طويلًا بنظرة مثقلة، كأنها تزن الكلمات قبل أن تخرج. ثم تنهد، ومسح وجهه بيده في ضيقٍ واضح، وقال بصوتٍ خافت لكنه قاطع :
ـ للأسف والدتك قامت بالواجب .
اتسعت عينا عمر بدهشة وقال :
ـ ماما ؟!!
أومأ فريد وهو يمسح على وجهه بضيق وقال:
ـ أيوة .. وقالت قدام نسيم إن الباشا تعبان واتشل ، واتخانقت مع زينب وغلطت فيها فأنا حبيت أسكتها وعرفتهم إن زينب عمتنا ..
ثم رفع كفيه مستسلما وهو يقول بلهجة ساخرة :
ـ الحقيقة نادية هانم بذلت مجهود جبار النهارده .. حققت سكور هايل !
زفر عمر بيأس وهو يمرر يده في خصلاته ويقول :
ـ أنا آسف يا فريد مكنتش أحب ده يحصل ابدا والله ..
ـ اللي يستحق الأسف مش أنا يا عمر ، اللي يستحق الأسف هي نغم .. شوف بقا هتعتذر لها ازاي .
ألقى كلماته وكأنه يضع مسؤولية جديدة على كاهل عمر، الذي تنهد وقال :
ـ لازم أعتذر لها طبعا.. بس بردو لازم أتأسف لك لأني غلطت في حقك كتير وانت طول عمرك متحملني وبتسامحني ..
نظر إليه فريد بهدوء، ثم قال دون تكلف:
ـ عمر انت ابني.. مش أخويا بس .
انهار ما تبقّى من تماسك عمر، فانحنى يعانقه بقوّة، وبكى وهو يهتف متأثرًا :
ـ وانت كل حاجه في حياتي .. وأوعدك من النهارده مش هعمل أي حاجه تضايقك مني وهسمع كل اللي تقول عليه بدون نقاش حتى .
ربّت فريد على ظهر عمر ربتةً هادئة، لكنها لم تخلُ من حزمٍ أخويٍّ يعرف طريقه جيدًا إلى القلب، ثم قال بنبرةٍ جادّة تخفي حرصًا أبويًا:
ـ وأنا مش عايز كده .. مينفعش تنفذ اللي بطلبه منك بدون نقاش، انت مش صغير، لازم تناقشني وتفهم وجهة نظري ..
وسكت لحظة، قبل أن يكمّل بحدّة محببة إلى عمر :
ـ لكن لما أنصحك وأحاول أوجهك للطريق الصح متبقاش حمار وتعاند .
أومأ عمر سريعًا، وكأن الكلمات أصابت موضعها تمامًا، وقال بابتسامة خفيفة ممزوجة بالخجل:
ـ معاك حق .. أنا فعلا حمار .
لم يتردد فريد، وأكّد وهو يومئ برأسه بجدية مصطنعة:
ـ حمار كبير .
انفلتت ابتسامة من فم فريد، فتبعتها ابتسامة عمر تلقائيًا، قبل أن يستعيد عمر جديته فجأة، وقد بدا أن قرارًا ثقيلاً استقر أخيرًا في صدره :
ـ فريد .. أنا فكرت تاني في موضوع الولد ولقيت إنك انت وحسن صح .. أنا خدت قرار إني هخلص الحوار ده في أقرب وقت .
تنفّس فريد بعمق، تنهيدة مُتعبة لكنها مطمئنة، ثم أومأ برأسه وقال بنبرةٍ هادئة تشبه صوت من وصل إلى يقين:
ـ خليك واثق إن ده الصح، وطالما عملت الصح مش هتندم .. الطفل ده ملوش ذنب إنك مستهتر وأمه واحدة زي لاتويا ..
واعتدل في جلسته، وحدق في عمر بنظرةٍ عميقة، كأنه يريد أن يضع أمامه الصورة كاملة بلا تجميل:
ـ اللي زي دي أخرتها معروفة يا عمر ، لا تصلح إنها تكون أم ..
وسكت لحظة، ثم تابع بصوتٍ أخفض لكنه أشد وقعًا:
ـ لك أن تتخيل إنها ممكن تعمل أي حاجه علشان الفلوس ، حتى لو اضطرت تسيب ابنها في الشارع هتعمل كده ..
وبنبرةٍ أقرب للسؤال الموجع قال:
ـ اوصفلي إحساسك وانت عارف إن عندك ابن من لحمك ودمك عايش وانت متعرفش عنه حاجة ولا تعرف مصيره هيكون إيه كمان عشر سنين مثلا ..
انخفض رأس عمر تلقائيًا، وقد بدا أن الكلمات أثقلت كتفيه، يعرف صدق ما يقوله أخوه، ويشعر بعجزه أمام تلك الحقيقة، لكنه تمتم بقلقٍ صريح:
ـ طيب وميرال ؟!
نظر إليه فريد بعينين يملؤهما الحزن وقال دون تردد :
ـ ابنك أهم من أي حاجه وأي حد ..
وأضاف بحسمٍ لا يقبل المساومة:
ـ لازم تحطه في المقام الأول وبعدين تيجي جميع الاعتبارات .
أومأ عمر ببطء، صامتًا هذه المرة، بينما أكمل فريد بنبرةٍ جادّة لكنها مشبعة بالحرص: :
ـ حيث كده بقا .. ميرال كانت هنا النهارده .
التفت إليه عمر متفاجئًا وقال:
ـ فعلا ؟!! اوعى تكون قلت لها ؟!!
هزّ فريد رأسه نافيًا :
ـ أكيد لأ .. بس لازم تعرف، لازم تصارحها وتسيب لها حق القرار ، ميرال مش ساذجة ولا غبية ومش هينفع تفضل تتهرب منها كده .. خلي عندك شجاعة واعترف بغلطتك، وأيًا كان قرارها… لازم تقبله .
ـ معاك حق .
وأسقط رأسه بضيقٍ صريح، مدركًا أن ما يُطلب منه ليس سهلًا، وأن المواجهة قد تكلّفه أكثر مما يحتمل… لكنه في الوقت نفسه يعرف أنه لم يعد يملك رفاهية الهروب.
لم يعد أمامه إلا طريق واحد: الصدق، مهما كان ثمنه، ومهما كانت نهايته.
نظر إلى فريد في صمت .. بينما فريد كان يعرف ما وراء صمته جيدًا .. يفهمه ويقدر موقفه رغم كل شيء..
فالأخوة ليست كلمة.. بل هي امتحان متكرر ..
وفريد دومًا ما ينجح في ذلك الاختبار .. حيث أنه يحتويهم رغم جراحه منهم، يمدّ يده إليهم رغم خذلانهم له .
يقف دومًا بين “الهدم” و “النجاة”، ويختار أن يكون جدارًا لا يسقط مهما ضربته الريح.
وهكذا يمضي الإخوة الحقيقيون…
كالشاطئ والموج:
قد يبتعد الموج، قد يعلو، قد يرتمي بعنف…
لكنه دائمًا يعود إليه.
ليس لأن الشاطئ يحتاجه…
بل لأن الموج لا يكون “موجًا” إلا حين يعود.
༺═────────────────═༻
كانت چيلان قد ترجلت من السيارة بمساعدة حسن، تقف الآن إلى جواره مستندةً إلى مقدمة السيارة التي تشوّه وجهها أثر الاصطدام بعمود الإنارة.
بدت ثابتة في وقفتها، رغم الهشاشة التي تسكنها؛ عقدت ذراعيها أمام صدرها كمن يتّخذ منهما درعًا أخيرًا، فيما كانت دموعها تنهمر بصمتٍ متواصل كلما تسللت إلى ذاكرتها تلك المواجهة القاسية بين حسن ووالدتها.
أغمضت عينيها للحظة، فاندفعت المرارة إلى صدرها دفعةً واحدة؛ خليطٌ خانق من الخزي والامتعاض، وهي تستعيد صورتها واقفةً أمامه، مكشوفة، بينما كان يطالعها بحقيقتها التي رأت فيها عريًا مهينًا لا تُحتمل رؤيته.
ابتلعت ريقها بصعوبة، غصّةٌ حادّة تشكّلت في حلقها وأبت أن تنزاح، كأنها تعاقبها على كل ما شعرت به ولم تستطع قوله.
أما هو، فظلّ إلى جوارها، يراقبها من طرف عينه بين حينٍ وآخر، قلقٌ صامت يثقل ملامحه وأسفٌ عاجز لا يعرف له طريقًا. تردّد قليلًا قبل أن يتكلم، ثم قال أخيرًا بنبرةٍ حاول أن يجعلها ثابتة :
ـ چيلان .. أنا مقصدتش أقول اللي قلته ، ومكنتش أحب أبدا إنك تسمعي حاجة زي كده والله. هي اللي استفزتني لما عرفت باللي قالته لنغم ، ولقيتني مش عارف أنا بقول إيه .
تنهدت چيلان وهي تمسح دموعها بباطن كفها في حركة بطيئة، ثم قالت بصوتٍ خافت لكنه ثابت:
ـ مش محتاج تبرر… في الآخر اللي قلته هو الحقيقة.
ارتسمت في عينيها مرارة كثيفة، مرارة لا تشبه الحزن العابر بقدر ما تشبه خيبةً مستقرة يصعب اقتلاعها. ساد صمت قصير، قبل أن تلتفت إليه فجأة، التفاتة أربكته وأجبرته على مواجهتها، وقالت بنبرة هادئة :
ـ أنكل سالم هو اللي قالك الكلام ده… مش كده؟
تصلّب حسن في مكانه، لم يعرف ماذا يقول، ولا بأي كلمات يمكن احتواء ما انكشف أمامها. فالحقيقة التي وصلتها لم تكن عادية، بل كانت مقززة حدّ الاختناق. تنهد بعمق، وأشاح بعينيه بعيدًا عنها، ثم أومأ إيماءة خافتة بلا صوت، إقرارًا صامتًا لا يملك شجاعة إنكاره.
عندها ضحكت چيلان.
ضحكة قصيرة، مبتورة، خرجت من صدرها بلا روح، أشبه بزفيرٍ موجوع أكثر منها ضحكًا، ثم قالت وهي تهز رأسها بأسى:
ـ يعني كان عارف حاجة زي كده ومع ذلك اتجوزها ..
مطّت شفتيها في خطٍّ مستقيم، كأنها تحاول احتواء سيلٍ من الاشمئزاز لا تعرف كيف تصرّفه. انخفضت عيناها إلى الأرض ببطء، وكأنها ترى نفسها فجأة أصغر مما كانت، أضعف، وأقل أمانًا مما صدّقت طويلًا.
شعرت كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها بدون سابق إنذار، فتمتمت بصوتٍ خافتٍ محمّل بمرارة موجعة:
ـ دلوقتي بس قدرت أفهم هو ليه كان بيتعمد يقلل منها ويهينها أوقات وهي مكانتش بتاخد أي رد فعل ولا حتى بتحاول تدافع عن نفسها .
ثم أضافت، وكأن الكلمات تخرج رغماً عنها :
أنا بجد حاسة بالاشمئزاز .
ارتسمت على شفتيها ابتسامة مريرة، ابتسامة بلا حياة، وهي تشيح بوجهها عنه في محاولة يائسة لإخفاء دموعها، كأنها تخشى أن يراها ضعيفة من جديد. لكن دموعها خانتها؛ لمعان زرقاوتيها كان أوضح من أن يُخفى، فالتقطه على الفور.
تنهد بيأسٍ ثقيل، وكأن صدره ضاق فجأة بما لا يحتمل، ثم قال بنبرة هادئة متعمّدة، يحاول أن يخفف حدّة ما تشعر به، أو ربما يخفف وطأة الحقيقة نفسها:
ـ في النهاية إحنا مش ملايكة، كلنا عندنا غلطات ..
رفعت رأسها إليه بسرعة، وفي عينيها حدّة صارمة، كأنها ترفض أن يُساوى بين ما لا يُقارن، وقالت بلهجة قاطعة لا تحتمل التأويل :
ـ لكن غلطة عن التانية تفرق أكيد .
نظر إليها بهدوءٍ متألم، لا يجادلها، بل يعترف ضمنًا بما تقول، ثم ردّ بصوت منخفض:
ـ معاكي حق، لكن محدش فينا بيختار أهله يعني .
أومأت ببطء، أومأت مرارًا، كأنها توافق العقل بينما القلب ما زال يرفض. ثم قالت بكلمة واحدة خرجت مثقلة بالخذلان:
ـ مع الأسف.
ساد الصمت بينهما من جديد، صمتٌ ثقيل مطبق..
شردت هي، وانسحبت بذاكرتها إلى الوراء بلا مقاومة، إلى صورٍ قديمة كانت تظنها آمنة… إلى حضن والدها، إلى صوته حين كان يناديها، إلى يده التي كانت تُربت على رأسها فتشعر—وهي طفلة في العاشرة—أن العالم كله بخير.
عشر سنوات فقط…
عشر سنوات لم تكن كافية لتفهم الحقيقة بوضوح.
كانت تراه مثاليًا، ترى حدّته صرامة، وقسوته تربية، ولم يخطر ببالها يومًا أن ذلك “الأب” يمكن أن يكون أبشع نموذج على الإطلاق.
تذكّرت أمها…
نقاشاتهما الطويلة، إصرارها الدائم على فرض آراءٍ وأحكامٍ أخلاقية، وكأنها تملك الحقيقة وحدها، بينما هي في الواقع لم تكن تعرف عن الأخلاق سوى قشرتها.
ثم تذكّرت كيف كانت تلومها على تعلّقها بفريد، كيف كانت تُكثر من الحديث عن كرامتها المهدرة، وعن كونها فتاة ساذجة لا تعرف قيمتها…
واتضح في النهاية أن أكثر من افتقد الكرامة، هي من كانت تتشدق بها ليلا نهارا.
انهارت.
خرجت الدموع من عينيها مهزومة، ثقيلة، كأنها كانت محتجزة منذ سنوات وقررت الآن أن تتحرر دفعةً واحدة.
هي التي لم تبكِ في حياتها إلا نادرًا، تبكي الآن بكل ما تملك من طاقة، بكل ما ادّخرته من صبرٍ وصمت.
حاولت أن تمنعها، أن تكبحها، لكن الدموع كانت أقوى منها.
وفجأة… تذكّرت وجود حسن إلى جوارها.
انتفضت من داخلها، حاولت التماسك، أجبرت نفسها على التوقف.
أخذت أنفاسًا متقطعة، متسارعة، تحاول تنظيمها، تحاول أن تُقنع عينيها أن الأمر انتهى، أن البكاء يجب أن يتوقف الآن.
فشلت… مرة، واثنتين، وثلاثة.
لكنها لم تستسلم، واصلت المحاولة بعنادٍ موجع.
أما حسن، فكان يقف إلى جوارها يراقب بصمت، يرى محاولاتها الفاشلة، يرى كيف تقاتل نفسها قبل أن تقاتل الألم.
تنهد بعمق، ثم تحرك بخطوة بطيئة، حتى وقف أمامها مباشرة، ليجبرها على مواجهته، وقال بصوتٍ منخفض لكنه واضح، خالٍ من القسوة:
ـ چيلان .. بالرغم من إني ماتعودتش أشوفك في الحالة دي، وما احبش أشوفك كده .. بس في أوقات مش لازم نبان فيها أجمد ناس على الكوكب ..
ترددت وهي تنظر إليه لثوانٍ، كأنها تقاوم فكرة الانهيار أمامه، لكن عينيها خانتاها. التقط ترددها، فخفّف نبرته أكثر، وصار صوته أقرب إلى الطمأنة منه إلى الكلام:
ـ مفيش حد قوي طول الوقت… انتي بشر، من لحم ودم، مش تمثال. يعني متضغطيش على نفسك وتحبسي دموعك… على الأقل دلوقتي.
كانت كلماته كأنها المفتاح الذي كسر آخر قفل بداخلها. فجأة، انهارت تمامًا. خرج بكاؤها أعنف، وكلما تذكرت حقيقة الأمر اشتد بكاؤها أكثر .
وقف أمامها مشدودًا، قلبه يضيق وهو يراها بهذا الضعف. رفع يده قليلًا، بتردد واضح، أراد أن يربت على كتفها، أن يفعل أي شيء يخفف عنها، لكنه تراجع وأسقط يده قبل أن يلمسها، وقال:
ـ أنا واثق إنك بعد ما تخلصي عياط… هترجعي چيلان قلب الأسد اللي أعرفها.
رفعت عينيها إليه، مبللتين بالدموع، أنفها محمر، وملامحها منهكة. وجدته يبتسم ابتسامة متوازنة بين الجد والمزاح، وكأنه يحاول أن ينتشلها خطوة صغيرة من الحافة، ثم أضاف بنبرة أخف:
ـ بس ياريت يعني وقتها تفتكري وقفتي جنبك دي، وإني مش شرير زي ما انتي شايفاني.
وأضاف وهو يمنحها غمزةً عابثة :
ـ يعني بالراحة عليّا شوية.
نظرت إليه، ومن بين الدموع التي أثقلت جفونها انزلقت ضحكة قصيرة مرتعشة، ضحكة خرجت دون استئذان، لا تشبه الفرح بقدر ما تشبه هدنة مؤقتة مع الألم. كانت ضحكة مكسورة، شقّ ضوء خجول في عتمة خانقة، ففاجأته وجعلته يتوقف لوهلة، كأنه لم يكن مستعدًا لرؤيتها بهذا الوجه اللطيف .
حدق فيها مطولًا، وكأن تلك اللحظة أعادت تشكيل صورتها في ذهنه، ثم قال بنبرة خفّت فيها حدّته المعتادة واختلطت بدهشة صادقة:
ـ وأنا اللي كنت فاكرك مبتعرفيش تعملي حاجة غير الزعيق والعصبية وبس… طلعتي إنسانة عادية زينا، بتعيطي وتضحكي كمان… سبحان الله.
تنهدت، وعلى شفتيها بقايا ابتسامة متعبة لم تكتمل، وقالت بصوت خافت يحمل سخرية خفيفة:
ـ أكيد يعني إنسانة عادية… مش جاية من كوكب تاني.
ابتسم أكثر، وقد وجد في ردّها مساحة للمداعبة، وقال وهو يميل قليلًا للأمام:
ـ أومال مستأسدة طول الوقت ليه؟! يعني عمري ما شفتك بتضحكي … مع إن ضحكتك حلوة.
أنهى جملته بغمزة عابثة، استوقفتها كلمته لكنها تجاهلت عبثه سريعًا. انسحبت الابتسامة من ملامحها بهدوء، وكأنها تسحب معها تلك اللحظة الهشة، وارتدت قناع الجدية من جديد. أبعدت نظرها عنه، وجالت بعينيها في الفراغ وكأنها تبحث عن الكلمات، ثم قالت بصوت أكثر اتزانًا، يخفي خلفه الكثير:
ـ عادي… أوقات الإنسان بيضطر يفرض على نفسه نمط معيّن علشان يعرف يعيش مرتاح .
سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرة أعمق :
ـ غير إن اللي موجودين في حياتي مينفعش أبان ضعيفة قدامهم ..
ونظرت إليه، وتمتمت بنبرةٍ تجرّدت من كل الحسابات والتكلف، نبرة خرجت من أعمق نقطةٍ فيها دون حراسة:
ـ كل واحد فينا محتاج شخص واحد بس في حياته… شخص يكون قريب قوي، للدرجة اللي تخليه ينسى كل حاجة وهو معاه، ينسى نفسه حتى… يعيش من غير أقنعة، يضحك، يعيّط، يتجنّن، من غير ما يعمل حساب لأي حاجة تانية.
قالتها وكأنها تعترف لأول مرة بما كانت تهرب منه طويلًا، وعيناها معلّقتان في الفراغ لا فيه، كأنها ترى صورةً كانت تخاف الاعتراف بحاجتها إليها.
أومأ ببطء، وأدخل يديه في جيبيه، يتكئ على هدوءٍ يشبه الفهم أكثر من الكلام، ثم قال بصوتٍ منخفض لكنه ثابت، مكمّلًا فكرتها وكأنه يضع القطعة الأخيرة في الصورة:
ـ كل حد فينا محتاج شخص يحسّ معاه إنه لقى نصه التاني اللي بيكمله .
التفتت إليه عندها، نظرة مختلفة هذه المرة؛ لم تكن دفاعية ولا حادة، بل مشوبة بدهشة خفيفة، كأن كلماته أصابت شيئًا حساسًا لم تكن تعرف اسمه. شعرت بقلبها ينقبض ثم يلين في اللحظة ذاتها، إحساس مربك لكنها لم تكرهه.
أما هو، فالتقط ذلك الارتباك في عينيها، لكنه لم يضغط ولم يبتسم ابتسامته العابثة المعتادة. اكتفى بأن يبادلها نظرة هادئة، نظرة رجل لا يقترب خطوة ولا يبتعد، فقط يقف في المسافة الآمنة… تلك المسافة التي تسمح بالثقة به دون خوف.
هزّت كتفيها بلا مبالاة مصطنعة، محاولة إغلاق الباب على ما انكشف منها، وتابعت:
ـ جايز معاك حق .
صمتا معًا للحظةٍ بدت أطول مما هي عليه، ثم أخذت نفسًا عميقًا كأنها تحسم أمرها، ورفعت عينيها إليه قائلة بهدوءٍ واهن:
ـ يلا؟
أومأ برأسه، وعيناه تنسحبان لا إراديًا نحو مقدمة سيارتها المشوّهة، ثم قال بنبرة عملية لا تخلو من اهتمام:
ـ هوصلك بعربيتي، وهخلّي حد ييجي ياخد عربيتك ويوديها لميكانيكي.
تطلّعت إلى سيارتها نظرة خاطفة، نظرة وداع مؤقت ممزوجة بالأسف، ثم أومأت باستسلامٍ صامت وسارت إلى جواره. وحين بلغا سيارته، فاجأها وهو يفتح لها الباب، وهو يقول بنبرة مرحة:
عدي الجمايل… أنا الوحيدة اللي كنت بعاملها بذوق كده كانت أمي الله يرحمها.
غلبتها ابتسامة خفيفة، تسللت إلى شفتيها رغم إرادتها، فقالت وهي تستقل المقعد:
ـ شكرًا.
أومأ بثقةٍ هادئة وقال :
ـ انت تؤمر يا جميل.
استدار، وجلس خلف المقود، ثم انطلقت السيارة تشق الطريق. وبعد لحظات من الصمت، التفتت إليه وقالت بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
ـ من فضلك يا حسن وصلني بيتي، مش على الفيلا.
أومأ موافقًا دون نقاش، فذكرت له العنوان، فغيّر وجهته فورًا وانطلق نحوه.
ساد بينهما صمتٌ ممتدّ طوال الطريق؛
هي آثرت الانسحاب إلى داخلها، مكتفية بما يعتمل في صدرها،
وهو اختار ألا يقتحم ذلك الصمت، احترامًا لهشاشتها أكثر من أي فضولٍ عابر.
غير أن سكونه لم يكن دليل هدوء،
فقلبه كان في الجهة الأخرى من الضجيج،
يموج بشعورٍ لم يألفه، صخبٌ داخلي لا يسمعه سواه.
فالقلوب، كالبحر، لا تُعرَف في لحظات السكون، بل تُفتَضح حقيقتها حين تعلو الأمواج، حين تختلّ الموازين ويُختبر الثبات.
وما فعله حسن في تلك اللحظة لم يكن مجرّد موقفٍ عابر،
بل انكشافٌ هادئ لحقيقة واحدة لا تحتاج تفسيرًا:
أن الرجولة لا تُثبت بالصوت العالي ولا بالوعود الكبيرة،
بل تتجلّى في الفعل الصامت،
حين يكون الحضور الصادق أبلغ من ألف كلمة.
بعد أن توقّف أمام منزلها، بادر بفتح بابه سريعًا، ثم ترجل بخطواتٍ واسعة والتفّ حول السيارة ليفتح لها الباب بنفسه. نزلت على مهل، ترتّب خصلاتها بحركةٍ عفوية تخفي بها ارتباكًا خفيفًا، ونظرت إليه قائلةً بهدوء:
ـ ميرسي يا حسن.
أومأ مبتسمًا، فالتقطت حقيبتها واستدارت نصف استدارة، ثم قالت بنبرة مهذبة:
ـ عن إذنك.
تأمّل واجهة المنزل ونطاقه الهادئ، ثم علّق بنبرةٍ تجمع الإعجاب والقلق:
ـ بيتك شكله هادي وحلو… بس ليه في منطقة مقطوعة بالشكل ده؟ كنت فاكرِك عايشة في كومباوند ولا حاجة.
تنهدت وهي تجيب ببساطةٍ صادقة:
ـ المكان هنا قريب من شغلي، وهادي زي ما إنت شايف… مريح نفسيًا بالنسبة لي.
هزّ رأسه بتفهّم، ثم قال بنبرةٍ غلفها الحرص:
ـ بس مش أمان خصوصًا إنك لوحدك… على العموم خلي بالك من نفسك.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة نادرة، لينة، وأمالت رأسها قليلًا كمن يطمئنه:
ـ متخافش عليّا.
بعد أن أمال رأسه مثلها بمشاكسة خفيفة، قال بنبرةٍ حاول أن يخفي بها اهتمامه الحقيقي خلف الدعابة:
ـ إزاي بس؟! مش إنتِ أخت أخويا؟ تبقي أختي، ولازم أخاف عليكي.
اتسعت ابتسامتها أكثر، ابتسامة دافئة خرجت بلا حذر، وأومأت برأسها قائلة بإخلاص:
ـ متشكرة جدًا… إنت إنسان ذوق على فكرة، وجواك مختلف تمامًا.
تلقّى كلماتها بسعادة كمن تلقّى مفاجأة جميلة، فارتسمت على شفتيه ابتسامة أوسع، واهتزّت حدقتاه بشيءٍ لذيذ تسلّل إلى صدره دون استئذان، وقال بنبرة صادقة:
ـ وإنتِ كمان… جواكي حلو أوي على فكرة.
قالت وهي تهمّ بالحركة:
ـ ميرسي.
لكنه استدرك سريعًا، كأنه لا يريد أن ينتهي المشهد بهذه السرعة:
ـ وبرّه كمان.
التفتت إليه، وقد فاجأها تعقيبه، وقالت بابتسامة خفيفة:
ـ ميرسي جدًا.
همّت بالتحرّك مجددًا، لكنه قاطعها للمرة الثالثة، وقد تجرّأ هذه المرة أكثر، وقال بنبرةٍ واثقة ممزوجة بالمرح:
ـ من جوّه حلوة، ومن برّه حلوة… حلوة من كل الزوايا.
توقفت في مكانها، رفعت حاجبها بدهشةٍ خافتة، ثم ابتسمت وهي تهزّ رأسها بيأسٍ ظريف، واقتربت منه خطوة واحدة، تطالعه بشغبٍ مماثل وقالت:
ـ باي يا حسن…
تركته وتقدّمت نحو باب المنزل بخطواتٍ مرهقة، فتحت الباب، ثم التفتت تنظر إليه، فوجدته لا يزال واقفًا في مكانه، لم يتحرّك. أشارت إليه بأصابعها الرقيقة، فلوّح لها بكفّه وهو يقول بنبرةٍ تحمل حرصًا صادقًا:
ـ اقفلي عليكي كويس.
أومأت بابتسامة هادئة، ثم أغلقت الباب خلفها.
أما هو، فبمجرد أن استدار، خرجت من صدره تنهيدة طويلة، وتسلّلت إلى شفتيه ابتسامة وادعة، إحساس غريب بالخفّة اجتاحه، كأن شيئًا وُلد داخله للتو دون أن يفهم كنهه.
تقدّم نحو سيارته، استقلّها، وانطلق في طريقه عائدًا إلى المشفى ليطمئن على فريد… بينما قلبه، على غير عادته، لم يعد في المكان نفسه الذي غادره قبل قليل.
༺═────────────═
#يتبع.
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هنااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات
إرسال تعليق