رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني لرواية (ضحايا الماضي) تكملة الفصل الثامن عشر 18بقلم الكاتبة شهد الشورى
رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني لرواية (ضحايا الماضي) تكملة الفصل الثامن عشر 18بقلم الكاتبة شهد الشورى
#تكملة_الفصل_الثامن_عشر
#رواية_ما_ذنب_الحب
#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي
#الكاتبة_شهد_الشورى
استفاق يوسف ومروان في الوقت نفسه تقريبًا وقد بدأ وعيهما يعود تدريجيًا، بينما حاول كلٌ منهما استيعاب المكان الذي وُجدا فيه تبادلا نظراتٍ سريعة ثم اندفعا لمحاولة إيقاظ ليلى وغنوة التي ما إن استعادت وعيها حتى انتفضت فجأة كأن ذكرى ما حدث انغرست في ذاكرتها دفعةً واحدة وبدأت تبكي بفزعٍ شديد، وأنفاسها تتلاحق بعنف
اقترب منها مروان سريعًا، وحاول تهدئتها بصوتٍ حنونٍ هادئ وهو ينظر في عينيها بثبات :
غنوة بصيلي صدقيني مفيش حاجة هتحصل شوية والكل هيكون هنا وهنطلع من المكان ده متخافيش
نفت برأسها بسرعة، وعيناها ممتلئتان بالرعب وقالت بصوتٍ مرتجف :
أنا هنا ليه أنا معملتش حاجة وحشة في حد هما عاوزين مني اي عشان يجبوني هنا ؟؟
ردّ عليها بصوتٍ دافئ، يحاول بث الطمأنينة داخلها، حتى لو قليلًا :
انتي مش طرف في الموضوع صدقيني محدش يقدر يقربلك طول ما أنا موجود، متخافيش يا غنوة.....
مش إنتي بتثقي فيا
أومأت له دون تردد، وكأن كلماته كانت الحبل الوحيد الذي تتمسك به وسط خوفها، في تلك الأثناء، كانت ليلى تتابعهما بصمت، وعيناها تتوقفان عند غنوة بشفقة واضحة بدت الفتاة بريئة للغاية، كطفلة وجدت نفسها فجأة وسط عالمٍ لا يشبهها
أما يوسف، فكانت عيناه مثبتتين على ليلى يتأملها بنظرة ممتلئة بالاشتياق والحزن وكأنه يحاول التأكد أنها ما زالت أمامه، التفت مروان فجأة نحو يوسف، وكأنه انتشله من شروده حين قال بحدة نابعه من جهله لما يدور حوله :
إحنا بنعمل إيه هنا يا يوسف وإنت رجعت من السفر إمتى؟
تنهد يوسف بعمق، وارتسم الحزن على ملامحه، وقبل أن يجيب فُتح الباب وظهر من خلفه ذلك الرجل !!
كانت ملامح يوسف ومروان وليلى مشتعلة بالغضب، غضبٌ ثقيل عند رؤية آخر شخص كانوا يتوقعون ظهوره أمامهم.......
كان يوسف قد عرفه مسبقًا وكشف أمره، لكنه لم يتمكن من اتخاذ أي خطوة إذ أُحكمت السيطرة عليه في اللحظة نفسها فقال يوسف بغضب واشمئزاز وعيناه تقدحان شرًا :
كان لازم اتوقع ان اللي يخلف بنتين زي بناتك بالوس....دي مش هيقل عنهم في حاجة بالعكس ده انت طلعت أوس.....منهم بكتير !!!!
ابتسم طاهر، والد ريما وأروى، وهو يجلس بهدوء على كرسي وضعه أحد رجاله أمامه، ثم عقد ساقيه فوق الأخرى في ثقة باردة وقال بسخرية بعد لحظة صمت :
مع إني معترف إني كنت شاطر فعلًا في إني أفضل مستخبي كل السنين دي بس لازم أقولك حاجة يا يوسف. إنت في شغلك ذكي ومحدش يقدر ينكر ده إنما في حياتك إنت أكبر مغفل وأغبى واحد شُفته في حياتي......
زمجر يوسف بغضب وهو يحاول ان يقترب منه، لكن أحد الرجال أمسك به وأحكم قبضته عليه عندها تابع طاهر بسخرية لاذعة وببرود شديد :
كل الناس حذرتك من أروى وريما، وإنت كنت مصمم تبقى غبي نفسي أفهم إيه اللي كان فيها وشدك كده، إيه اللي خلاك تصدق ريما واروى أصلاً، إيه اللي فيهم يتحب، ده أنا اللي هو أبوهم مش شايف فيهم حاجة تخليك تضحي بكل ده عشانهم إلا لو كنت بطبعك قليل الأصل زي أبوك
صرخ مروان ويوسف في نفس اللحظة بغضب جامح :
اخرس يا كلب
زمجر يوسف بحدة وهو يتوعده :
إياك تجيب سيرة أبويا على لسانك الو.....ده وإلا........
قاطعه طاهر بسخرية وهو يضحك بخفة :
ماتتحمقش أوي كده بس، ما تنساش إنك أول واحد غلط في أبوه لو ناسي أفكرك يا بن الجارحي !!!!
جز يوسف على أسنانه بغضب، لكنه صمت في نفس الوقت مدركًا أن كلمات طاهر أصابت موضعها كان يعلم تمام العلم أنه مخطئ وأنه تصرف بتهور وانه تم خداعه.....
كلما تذكر كيف تم اللعب به من قِبلهم ازداد الغضب داخله حتى كاد يحرقه ويحرق كل من حوله
في تلك اللحظة، تدخلت ليلى بابتسامة ساخرة وهي تنظر إلى طاهر بتهكم :
وأنت بقى جايبنا هنا ليه، أوعى تقولي عايز تنتقم لبناتك أصل لو كنت فعلًا بتحبهم ومهتم بمصلحتهم من الأول، كنت ربيتهم كويس، مش طلعتهم بالو.....دي
ضحك طاهر ضحكة عالية، ثم قال بإعجاب واضح :
طول عمري معجب بذكائك يا ليلى تعرفي إنك خسارة فيه أنا لو معايا واحدة بذكائك وجمالك ده عمري ما كنت أفرط فيها عشان واحدة زي بنتي أروى
زمجر يوسف بغيرة وغضب، وهو يرى نظرات طاهر الوقحة تتفحص ليلى بلا أدنى احترام فاشتعلت عروقه وقال بحدة :
عينك من عليها بدل ما أخلعهالك وأخليك تحصل بنتك في تربتها !!!
ابتسم طاهر بسخرية باردة ولم يبدو عليه أي انزعاج ثم قال بهدوء مستفز :
بنتي اللي جبتك راكع تبوس رجليها عشان ترضى عنك
اشتد غضب يوسف أكثر ورد عليه بصوتٍ حاد :
برخصها بنتك عملت كل ده برخصها مفيش حاجة حارقاني قد إنها ماتت قبل ما أعرف حقيقتها كنت دفنتها حية بأيدي الاتنين دول واتلذذت بيها وهي بتموت قدامي بالبطيء
ضحك طاهر بسخرية خافتة وهز رأسه كأنه لا يأبه بكلماته :
ولا كنت هتقدر تعمل فيها حاجة يا يوسف افتكر بس إنك في ليلة واحدة في حضنها كنت بتنسى الدنيا واللي فيها وتقول آمين على حاجة تطلبها منك
صرخ يوسف بغضب أشد وصوته يهتز من شدته :
وياريتك بنتك الو.....قدرت ده كانت رخيصة وزبالة، كنت مستعد أجيبلها الدنيا تحت رجليها بس هي اختارت طريق الرخيص زيها
ابتسم طاهر ابتسامة خبيثة، وقال ببطء :
بس هي ما كانتش عايزاك أصلًا أنت كنت مجرد كوبري ليها عشان توصل لأبوك وأبوك كان عارف ده كويس ومع ذلك ماقالكش
ثم اقترب قليلًا وخفض صوته قائلاً بمكر أشد :
يمكن عشان فيه حاجة حصلت بينهم وخان الست الوالدة
في تلك اللحظة، انفجر مروان غاضبًا :
اخرس يا كلب سيرة أبويا ما تجيش على لسانك القذر احسن قسمًا بالله اقطعهولك
ضحك طاهر ببرود ورفع يده إشارة تهدئة وهو يقول :
اهدوا يا شباب مالكم بس ده الليلة لسه طويلة وأنا مش ناوي أبعتكم عند اللي خلقكم غير لما أعرفكم كل الحقيقة عشان ما تقولوش بعد كده عمو طاهر موتنا وإحنا على عمانا !!!
بكت غنوة برعب وصوتها خرج مهتزًا ضعيفًا من شدة الصدمة تنظر حولها بعدم تصديق :
تقتلنا ليه إحنا معملناش حاجة، القتل حرام وغلط كبير
ضحك طاهر ببرود ثم نظر إليها بمكرٍ واضح وقال بسخرية :
جيت معاهم بالغلط انت يا قمر بس وعد شرف مني مش هموتك معاهم
اقترب منها قليلًا، وخفض صوته وهو يهمس بجرأة مقززة جعلتها تنكمش على نفسها أكثر وتلتصق بمروان بخوف :
نتسلى مع بعض شوية الأول وبعد كده نشوف موضوع الموت ده إلا لو عجبتيني ساعتها ممكن نكمل سوا ونبقى دويتو هايل مع إني بصراحة مش بحب القطط المغمضة اللي زيك أنا بموت في القطط المخربشة اللي زي العسل
قال جملته الأخيرة وهو يوجه نظره إلى ليلى بمكرٍ واضح فاشتعلت نظرات مروان ويوسف غضبًا وغيرة بينما ردت ليلى عليه مباشرة بنظرة احتقار ثم بصقت تجاهه بقرف واضح !!
ضحك طاهر ببرود ثم توقف فجأة ورفع صوته قائلًا بحدة :
مااااااجد !!!
لحظات ودخل ماجد بخطوات واثقة وملامحه جامدة، لكن عينيه كانت معلقة بيوسف الذي نظر إليه باحتقارٍ وغضب فقد كان قد اكتشف الحقيقة الخائن كان أقرب شخص إليه صديقه القديم خانه بكل قسوة !!!!
ردد مروان بسخرية وهو يشتعل غضبًا :
عمري ما ارتحتلك من زمان وانا قاري كل الكره اللي في عينيك ده طلعت واطي زي ما قولت
ابتسم ماجد بسخرية، ورد عليه ببرود :
ليه بس كده يا مارو خليك مؤدب يا حبيبي انت هنا مش في بيت بابا عشان حد يحميك هنا الكلمة الغلط تمنها الموت فخاف على نفسك بقى
رددت ليلى بقوة ونبرة ثابتة :
مايخافش إلا الخسيس الواطي اللي زيك اللي يضرب من تحت لتحت عامل حبيب وهو حرباية بتتلون بمية لون وكله حسب مصلحته
خفض ماجد نظره نحوها ثم قال بسخرية ممزوجة بغضب مكتوم :
انتي سبب اللي هو فيه دلوقتي لو بس كنتي وافقتي عليا يوم ماجيتلك وقولتلك إني بحبك، كان زمان كل حاجة اتغيرت وكان زمان الأمور ماشية غير كده خالص
بس إنتي طول عمرك مش شايفة غير يوسف.....
يوسف وبس، كأن مفيش راجل غيره في الدنيا
أنا فضلت سنين عايش على أمل كلمة منك نظرة واحدة بس نظرة تحسسني إني موجود كنت مستعد أركعلك لو طلبتي كنت مستعد أعمل أي حاجة عشانك بس إنتي اخترتي تبقي عامية اخترتي تحبيه هو حبيتيه وهو باعك بالرخيص،ط كسرك وسابك، وبرغم كل ده لسه متمسكة بيه
إنتي إيه مش بتحسي مش بتتعلمي من غلطك
ثم تابع بحقد وألم :
أنا قعدت معاه سنين كان كل تفكيره إزاي يدمرك إزاي يكسرِك بس أنا كان كل تفكيري فيكي في يومك في ضحكتك في زعلك في كل تفصيلة صغيرة تخصك ومع ذلك من وإحنا صغيرين قلبك وعقلك كانوا معاه هو عمرك ما شوفتي غير يوسف ولا سمعتي غير صوته ولا حسيتي بحد غيره
مع إنك لو بس مرة واحدة بصيتيلي بصدق كنت هجيلك راكع تحت رجلك، وكنت هتغير وأبقى الراجل اللي إنتي عايزاه بس انتي غبية يا ليلى!!!
ردت عليه ليلى بسخرية مريرة :
دلوقتي لا هبقى ليك ولا ليه.....ولا لأي حد خالص
انفجر ماجد غاضبًا، وقال بحدة :
مبقاش فيه الكلام ده يا ليلى قدامك اختيارين مالهومش تالت يا تقبلي بيا وساعتها أسيبك تعيشي يا ترفضيني تاني بس ساعتها أنا اللي هقتلك بإيدي أنا مش هعيش نفس العذاب مرتين يا تبقي ليا أنا وبس.....يا ما تبقيش لحد خالص
ردت عليه ليلى بهدوء مستفز :
روح اتعالج من مرضك يا ماجد ده مش كلام ناس عاقلين خالص
فجأة، أمسكها ماجد من خصلات شعرها بعنف بينما صرخ يوسف ومروان محاولين التملص من القيود لكن دون جدوى
زمجر ماجد بغضب :
حد قالك إني عاقل أصلًا أنا مجنون بيكي يا غبية كنتي بتدوري ع الحب مع يوسف وأنا كنت قدامك عندي حب يكفي الدنيا كلها مش بس يكفيكي انتي
ارتجفت غنوة أكثر، ثم التفتت إلى مروان بعينين دامعتين وقالت بصوت مرتجف من شدة الخوف :
مروان أنا خايفة
نظر إليها مروان، وشعر بعجزٍ ينهشه، بينما دموعها بدأت تنهمر بصمتٍ مرير !!
خايفة من إيه بس يا قمر.....
قالها ماجد بمكرٍ شديد، وهو يتأمل غنوة من أعلى لأسفل بنظراتٍ وقحة مليئة بالإعجاب
بصقت ليلى نحوه بقرفٍ واشمئزاز، فالتفت إليها ماجد ببرود مستفز قائلاً ببساطة :
ليه كده بس يا بيبي دي نقرة ودي نقرة أنا صحيح بحبك، بس برده بحب نفسي ولازم أمتعها إن شاء الله لما نبقى متجوزين هبقى مخلص ليكي وبس
ثم أعاد نظره إلى غنوة، وعيناه تلمعان بمكرٍ فج، وقال بنبرة خبيثة اصابة غنوة بالذعر :
إنما دلوقتي خلينا مع القمر اللي نازل من السما ده
جاءه صوت طاهر حادًا كالسوط :
ماجد دي تخصني
انفجر مروان غاضبًا، ولم يترك لفظًا قاسيًا إلا وألقاه نحوهما وصوته يجلجل بالغضب :
جرى اي يا بن ال.....منك ليه، هتتعزموا عليها اقسم بالله اخزقلكم عنيكم انتوا الاتنين !!
ابتسم ماجد بمكر ثم اقترب من مروان حتى صار على بُعد خطواتٍ قليلة منه وقال بنبرةٍ مستفزة :
تعرف إني عمري ما كنت بطيقك
رد عليه مروان بقرفٍ واضح :
من القلب للقلب رسول
اتسعت ابتسامة ماجد بخبثٍ أشد، وقال بوقاحة :
بس واضح إن ربنا بيحبني عشان بعتلي الحاجة اللي اقدر أقهرك بيها وأكسرك قبل ما أموتك يا مارو شكل الأمورة دي غالية عليك أوي وخطفت قلبك يا ابن الجارحي
فهم مروان قصده وشعر بنار العجز تشتعل داخله خاصة مع تقييد يديه لاحظ يوسف ذلك، فتدخل قائلاً بغضب :
انت ما تعرفش تقهر حد غير بالستات عشان مش راجل ولا عمرك هتكون، نسيت يالا لما كنت تعمل مصايب وتيجي تعيطلي زي النسوان عشان أخرجك منها اللي بتعمله ده مش هيخليك راجل
ارتسمت على وجه ماجد ابتسامة شريرة والتفت نحو طاهر الذي كان يتابع المشهد باستمتاعٍ واضح :
طاهر باشا اللي تعوزه ما يغلاش عليك بس الضيوف دول ليا حساب معاهم وليك أحلى تعويض يليق بيك يا باشا
قالها وعيناه مثبتتان على غنوة التي تراجعت إلى الخلف تختبئ خلف مروان بينما زحف يوسف ووقف أمامها يحجبها عنه، أومأ طاهر بمكر، ثم خرج من الغرفة وهو يتمتم بنعاس :
تمام يا ماجد خلص، بس بلاش دوشة أنا عايز أنام ومتتأخرش عشان ليلتنا لسه طويلة مع القمامير
أومأ له ماجد وما إن خرج الجميع حتى تقدم نحو غنوة محاولًا جذبها بعنف حاول مروان ويوسف منعه بكل ما لديهما من قوة لكن القيود كبلتهما استطاع ماجد جذبها بعيدًا إلى آخر الغرفة بينما أخذت غنوة تزحف للخلف برعب وقلبها يخفق بعنفٍ داخل صدرها
في تلك اللحظة لمح مروان قطعة زجاجٍ مكسورة على الأرض فاندفع نحوها وبدأ يقطع الحبل المقيد به بكل ما يملك من قوة غير عابئ بالألم الذي مزق جلده بينما الدم بدأ يسيل من يده بغزارة وفي الجهة الأخرى كانت غنوة تدافع عن نفسها بيأس تحاول إبعاده عنها بينما ليلى ويوسف يحاولان إيجاد طريقة لإنقاذها وأخيرًا، انقطع الحبل، واندفع مروان نحوه بعنفٍ هائج وانهال عليه ضربًا بكل ما في داخله من غضب وذعرٍ مكبوت حتى ترنح ماجد وسقط أرضًا شبه فاقدٍ للوعي لكن مروان لم يتوقف.....
في تلك اللحظة، تحرك يوسف بسرعة وتمكن من تحرير نفسه ثم اندفع لفك قيود ليلى التي هرعت فورًا نحو غنوة تعانقها بقوة وهي تلاحظ ارتجاف جسدها وبكائها بانهيار
اقترب يوسف من مروان وأمسكه من كتفيه بقوة قائلاً بحدة :
فوق يا مروان إحنا لازم نخرج من هنا بعد كده تاخد حقك منه بس ده مش وقته ولا مكانه
كان مروان يتصبب عرقًا وصدره يعلو ويهبط بعنف وكلما تخيل ما كاد يحدث لغنوة ازداد غضبه حتى كاد يفقد السيطرة أما ليلى، فكانت تحتضن غنوة المنهارة تحاول تهدئتها، بينما اقترب يوسف منهما قائلاً بتعجل :
أنا عارف إن اللي حصل كان صعب بس دلوقتي لازم نركز لازم نخرج من هنا قبل ما نخسر أكتر من كده
ثم تابع بنبرة حزينة مليئة بالخزى والندم :
حقك عليا انا سبب كل اللي حصلك وحصلهم
أومأت غنوة برأسها، تمسح دموعها بيدٍ مرتجفة اقترب منها مروان بدون تردد احتضنها بقوة أمامهما فقط ليطمئن قلبه أنها ما زالت بخير تمسكت به غنوة بقوة وكأنها تخشى أن يختفي من أمامها
تحرك الأربعة نحو الباب بحذر ولم يجدوا سوى حارسٍ واحدٍ يبدو أنه غلبه النعاس في مكانه تسللوا بحذرٍ شديد ثم نزلوا إلى الطابق السفلي فوجدوه شبه خالٍ لا يوجد فيه سوى خادمتين بينما كان معظم الحراس خارج القصر
تقدم يوسف أولًا نحو المطبخ وتركهم خلفه يبحث عن أي باب خارجي وبعد لحظات لمح بابًا يؤدي إلى الخارج
لكن فجأة، دخلت إحدى الخادمات نحوه وقبل أن تصرخ كان يوسف قد وضع يده على فمها يمنع صوتها حتى فقدت وعيها بين يديه، خرج بعدها إليهم، وأشار لهم أن يتقدموا بعدما تأكد من خلو الباب الخلفي
ببطءٍ شديد خرج الأربعة من الباب لكنهم تجمدوا في أماكنهم فجأة عندما دوى صوت رجلٍ من بعيد يصرخ بغضبٍ شديد انهم هربوا.......
اندفع الأربعة يركضون بعشوائية تتعالى أنفاسهم مع صوت الصراخ خلفهم حتى تفرقوا عن بعضهم بالخطأ وسط الظلام !!!
ركض الأربعة متفرقين في اتجاهات مختلفة بعدما اندفع الرجال خلفهم كالسيل تتعالى أصوات أقدامهم وصرخاتهم في المكان فتضاعف الرعب في القلوب
كان مروان متمسكًا بغنوة بقوة وكأنها طوق نجاته الوحيد بينما هي أصلًا لم تكن لتسمح لنفسها بالابتعاد عنه كانت متشبثة به بكل ما تملك من قوة أنفاسها متقطعة من الخوف أصابعها تغوص في ذراعه وهي ترتجف
أما ليلى، فكانت تجري بأقصى ما تملك من قوة وقلبها يخفق بعنف داخل صدرها حتى لمحت مجموعة من الأشجار الكثيفة،فاندفعت نحوها بسرعة واختبأت خلف إحداها تنكمش على نفسها برعب وعيناها القلقتان تجوبان المكان بحثًا عن يوسف
في الجهة الأخرى كان يوسف قد اشتبك مع رجلين يتلقى الضربات ويردها بعنفٍ يائس حتى تمكن أخيرًا من الإفلات منهما بعد جهدٍ شاق انحنى سريعًا وانتزع هاتفًا من جيب أحدهما، ثم التقط سلاحًا ايضًا منهما ثم رفع رأسه، وبدأ ينظر حوله بقلقٍ متزايد يبحث بعينيه في كل اتجاه عن ليلى وقد سيطر عليه خوفٌ حقيقي عليها أخذ يركض بين الأشجار يفتش عنها بعينين مذعورتين حتى لمح ظلها مختبئة خلف إحدى الأشجار اقترب منها بحذرٍ شديد ثم دار حولها فجأة ووضع يده على فمها سريعًا قبل أن تصرخ
برقت عيناها بذعر، وكادت تضربه دفاعًا عن نفسها لكنها ما إن وقعت عيناها على ملامحه حتى هدأت قليلًا خاصة عندما همس لها بصوته الخافت ذلك الصوت الذي تحفظ نبرته عن ظهر قلب :
أنا يوسف.....متخافيش
أومأت له بسرعة، وأنفاسها ما زالت متلاحقة، بينما همس لها مجددًا وهو يلتفت حوله بحذر :
لازم نطلع من هنا من غير صوت عشان نلاقي مكان نستخبى فيه ونحاول نتصل بحد، أنا أخدت تليفون وسلاح بس لازم نستخبى الأول، وبعدين ندور على مروان وغنوة كمان
أمسك بيدها وسحبها معه، وتحركا بحذرٍ شديد بين الأشجار كان الرجال قد انتشروا في كل مكان، يتفحصون الزوايا يبحثون عنهم بلا توقف، هذا ما جعل التوتر يتضاعف مع كل خطوة لهما
استمر الاثنان في السير لمسافة طويلة، حتى لمحت أعينهما مبنى قديمًا مهجورًا تبادلا نظرة سريعة ثم اندفعا نحوه دخلاه بحذر شديد
على الناحية الأخرى كان مروان يركض بكل ما أوتي من قوة ممسكًا بيد غنوة التي كانت تلهث خلفه، وقد ابتعدا كثيرًا عن الرجال حتى وصلا إلى خارج حدود المنطقة تقريبًا
لكن فجأة تعثرت قدم غنوة، وسقطت أرضًا بقوة
توقف مروان فورًا، وانحنى نحوها بسرعة وملامح القلق بادية بوضوح على وجهه يسألها بلهفة :
انتي كويسة
رفعت رأسها نحوه، وعيناها ممتلئتان بالدموع، وأنفاسها متلاحقة من شدة الركض، وقالت بصوتٍ باكٍ لاهث :
رجلي مش قادرة منها خلاص
نظر إليها مروان بشفقة وقد انقبض قلبه لما أصابها بسببهم شعر بوخزٍ قاسٍ من الذنب وهو يراها على تلك الحالة لكن لم يكن هناك وقتٌ للحديث أو التردد الخطر كان يلاحقهما، وأي توقف يعني نهايتهما معًا لذلك انحنى سريعًا حملها بين ذراعيه، ثم اندفع راكضًا بكل ما يملك من قوة قلبه يخفق بعنف وهو يدعو أن يجد طريقًا آمنًا
لم يكن هناك أي أثرٍ ليوسف أو ليلى، ولا حتى ما يدل على اتجاههما، فازداد قلقه مع كل خطوة وفجأة، توقفت أمامه سيارة سوداء بشكلٍ مفاجئ فقطعت عليه الطريق انفتح بابها سريعًا ونزل منها رجلان ركضا باتجاهه، لم يمنحهما مروان فرصة تظاهر بأنه يُنزل غنوة من بين ذراعيه وكأنه استسلم لكن ما إن لامست قدماها الأرض حتى تحرك بسرعة خاطفة ووجه ضربة قوية للرجل الأقرب إليه فسقط الرجل متألمًا وانفلت السلاح من يده
التقط مروان السلاح بسرعة ورفعه نحو الرجل الآخر لكن في لحظة ارتباك خرجت رصاصة من سلاح الرجل الثاني وأصابت ذراع مروان، اهتز جسده من أثر الإصابة، بينما صرخت غنوة بصوتٍ مرتجف مليء بالخوف والذعر :
مرواااااان !!
في تلك اللحظة، كاد ان يقترب الرجل من غنوة لكن مروان لم يمنحه فرصة فأطلق عليه النار ليسقط على الفور دون أن يتمكن من الاقتراب، فعل نفس الشيء مع الرجل الاخر الذي يتلوى ارضًا......
ساد صمتٌ ثقيل للحظات، لا يُسمع فيه سوى أنفاسهما المتلاحقة، اقترب مروان من غنوة سريعًا وساعدها على النهوض، ثم أدخلها إلى السيارة، وبعدها انحنى والتقط هاتفًا من أحد الرجلين، وفتحه ببصمة الإصبع، ثم جلس خلف المقود وانطلق بالسيارة مسرعًا.......
كانت عيناه تتحركان في كل اتجاه، يبحث عن أي أثرٍ ليوسف أو ليلى، لكن دون جدوى
بعد مسافةٍ توقف في مكانٍ بدا أكثر أمانًا أمسك الهاتف بسرعة وتواصل مع والده، ثم أرسل إليه موقعه
ما إن أنهى الاتصال، حتى تنهد بارتياحٍ واضح، وكأن جزءًا من الخوف انزاح عن صدره. أغلق أبواب السيارة بإحكام، وأسند رأسه للحظة إلى المقعد يتنفس بعمق محاولًا استعادة هدوئه بينما الألم في ذراعه يزداد
انفجرت دموع غنوة في رعب، وعيناها تراقب بفزع بقعة الدم الحمراء التي تمددت بغزارة على ذراع مروان، بعد أن نجحا أخيرًا في الإفلات من قبضة الرجال الملاحقين لهما، راحت تتفحص جرحه بيديها المرتعشتين، وقلبها يكاد يتوقف من شدة القلق !!!
كانت تبكي بنحيب مخنوق، ترتجف من الرعب والفزع الذي تملكها، بينما كان مروان يتناسى ألمه ليحتويها بكلمات دافئة :
غنوة....أنا كويس....اهدي ماحصلش حاجة
نفت برأسها بعنف، عيناها جاحظتان تتوهان في كل زاوية من السيارة، تستدعيان لحظات الرعب التي عاشاها كانا على شفا الهاوية، قاب قوسين أو أدنى من الموت !!
خرجت كلماتها عشوائية، متقطعة :
هيرجعوا.....هنموت....دم.....وانت بتنزف....ماتسبنيش، انا خايفة اوي
بصعوبة، تحامل مروان على الألم النابض في كتفه المصاب، سحبها إليه بعناية، نظر في عينيها المليئتان بالدموع، وقال بنبرة حملت كل الدفء والحنان بالعالم :
غنوة
رفعت نظرها إليه، كانت دموعها تبلل وجهها حتى أن خصلات شعرها التصقت به، رفع مروان يده السليمة برقة لا توصف، أبعد بها الخصلات عنه، وهمس بنظرات مليئة بالحب :
انا كويس، ده جرح بسيط خالص، متخافيش، الكل جاين في الطريق عشان يساعدونا، إحنا خلاص في أمان، وبعدنا عنهم
لكنها لم تتوقف، استمرت في البكاء بقوة، عاجزة عن نسيان الكابوس الذي عاشته قبل قليل.....
كيف كادت تفقد أغلى ما تملك؟
كيف كادت ان تفقد شرفها لولا تدخل مروان في اللحظة الأخيرة، وكيف كادا ان يموتان؟
انتفض جسدها برعشة عنيفة وهي تتخيل منظر الجثث المتناثرة في الأرض وصوت الرصاص الذي حاصرهما من كل اتجاه !!!
لم يجد مروان حلًا إلا أن يجذبها بقوة أكبر إلى صدره، ليرمم خوفها بوجوده، وظل يهمس بكلمات حنونة، كلها احتواء، فتشبثت به غنوة بعنف، ثم انهارت في بكاء مرير، أطلقت فيه كل ما كبتته من رعب !!
بعد وقت غير معلوم، رفعت رأسها ببطء، ما زالت تتكئ على صدره، وسألته بصوت متحشرج :
أنت كويس بجد؟
اكتفى بأن يمرر أنامله على وجنتها، يمسح دموعها برفق،
تلاقت نظراتهما في صمتٍ يضج بما عجز اللسان عن قوله،
ارتجافتها لا تهدأ، وصدره ما زال يعلو ويهبط بألمٍ مكتوم....
ألم الجرح، وربما أيضًا شيئًا ظل يهرب منه طويلًا،
شعورٌ نافذٌ حاول أن ينكره، وحقيقةٌ دسها بداخله، معتقدًا
أنه قادرٌ على الفرار منها
لكنها الآن، بهذا القرب، بهذا الخوف الذي غمر ملامحها، وهذا الرجاء المرتجف في عينيها، انهارت حصونه التي شيدها بالصمت، وفقدت المقاومة معناها، ةفي النهاية، لم يقدر أن يصمد أكثر، وانطلق لسانه بما ظل يهرب منه ويخفيه،
بما كان يحاربه في قلبه ويُخفيه في صدره، حتى خضع للحقيقة التي لم يعد يستطيع إنكارها، وقال بحبٍ صادق نابع من أعماق قلبه :
أنا بحبك
لم تُمهلها الصدمة وقتًا لتلتقط أنفاسها، إذ التصقت شفاهُه بشفتيها العفيفة في قبلة لن يمحوها العمر من ذاكرتهما، قبلة حملت وجع الشوق، وارتباك، وحيرة، وخوف الاعتراف.....
قبلة أفرغ فيها كل ما حاول طيلة الأيام كتمانه
أما هي فغدت كتمثالٍ مندهش، لم يطاوعها الجسد على حركة، ولم يسعفها العقل بكلمة
تباعد عنها لبرهة كأنما يستعيد أنفاسه، لكنه لم يقوى على الصمود، فعاد إليها بقُربٍ أشد، وأعمق، كأن قلبه يأبى الفكاك منها، شدها إليه بقوةٍ خفية، وهي رغم ذهولها لم تجد في نفسها قدرة على الرفض، كأن الفرح بقربه سبق اعتراض المنطق، وكأن روحها في لحظة ضعف......
مالت إليه دون إرادة !!
ما حدث كان خطأً جسيمًا، وذنبًا لا يُغتفر، فقد اندمجت أرواحهما في لحظة نسيَا معها كل الحدود، كل القواعد، وانها ليست زوجته، ما فعلاه لم يكن لهما الحق فيه ابدًا !!!
..........
على الجهة الأخرى عند يوسف وليلى.....
خيم الصمت الثقيل على المكان، صمتٌ يضج بصدى كلماتٍ
لم تُقال بعد، بعد أن أرسل يوسف إحداثيات موقعهما لوالده سكنت الحركة إلا من نظراتٍ متمردة تخون أصحابها فتلتقي الأعين في منتصف الطريق لتنسج خيوطاً من العتاب والقهر كانت عينا ليلى تفيضان بلومٍ قاسي، بينما غرق يوسف في بحرٍ من الندم والتمني....
قطع يوسف ذلك الحبل المشدود بنبرةٍ متهدجة، تملؤها الانكسار والصدق الذي جاء متأخراً جداً :
أول مرة أحس إني بحبك أوي يا ليلى، أول مرة أحس إني عمري ما حبيت غيرك، وأني كنت غبي بجد عشان بصيت تحت رجلي وضيعتك من بين ايدي
ردت عليه ليلى، وصوتها يرتجف كوترٍ أوشك على الانقطاع رغم محاولتها البائسة للتماسك :
وأنا أول مرة أحس إن سنين عمري ضاعت ع الفاضي في حب ميساهلش أول مرة أحس بالكسرة دي، والفضل كله يرجع ليك
ردد يوسف بلهفة :
ما عاش ولا كان اللي يكسرك.....حتى أنا
أشاحت بوجهها عنه، فمد يدهُ بوجل، يمرر أصابعه على وجنتها ليجذب وجهها نحوه، لكنها انتفضت مبتعدة عنه وكأن لمسته جمرةٌ تحرقها، وقالت بجمود :
ماتقربليش متنساش إننا اتطلقنا خلاص، مابقاش ليك حق تلمسني
أطرق رأسه اعتذاراً، فاستطردت ليلى قائلة بحسرة مزقت نياط قلبه :
جيت متأخر يا يوسف، جيت بعد ما نهيت كل حاجة بإيدك
رأى في عينيها دمعةً صامتة، سقطت كقطرة ندى على أرضٍ محروقة، فسألها برجاءٍ يائس :
طب ليه دي ما تكونش النهاية دي بداية جديدة لينا، ليه منقومش ونحاول تاني طالما الحب لسه بينا موجود
صمت للحظات ثم تابع بحماقة :
ولا إنتي....إنتي كرهتيني يا ليلى؟
ساد صمتٌ طويل، تجمدت فيه الأنفاس، قبل أن تجيبه بنبرة يفيض منها عشقٌ معذب :
بعشق النفس اللي بتتنفسه، للأسف قلبي عمره ما عرف غير حبك يا يوسف
انتعشت روحه لثوانٍ، وتراقصت السعادة في عينيه، لكنها سرعان ما تلاشت كالسراب حين أردفت بحزنٍ عميق :
بس قلبي حب قلبك اللي عمره ما عرف يحب ولا عرف يصون !!
جثا يوسف على ركبتيه أمامها، كعابدٍ يرجو الغفران، وقال بتوسل :
طب علميني....علميني إزاي أعمل كل ده، امسكي بإيدي مرة أخيرة بس يا ليلى وأنا والله هتعلم وهتغير، علميني كل اللي فشلت فيه، واعملي مني إنسان تاني إنتي تحبيه
يا لجهله....!!
لم يدرك أنها كانت تعشق عيوبه قبل مميزاته، وأنها أحبته بكيانها حتى النخاع، لكن جرحها منه كان أعمق من كلمات التوسل تراجعت عنه، وقفت بعيداً بقلبٍ أعيته الخيبات قائلة بيأسٍ قاطع :
الطبع غلاب
أطبق على يدها بقوة هذه المرة، مانعاً إياها من الابتعاد :
صبرتي عليا كتير واستحملتي مني اللي محدش يستحمله يا ليلى ويوم ما أفوق وأتغير، ليه مش قادرة تصدقيني
انفجرت ليلى بالبكاء، شهقاتها تقطع نياط الصدر :
عشان تعبت ومش حمل صدمة تانية سنين وأنا تايهة فيك يا يوسف وجعت قلبي وكسرت فيا حاجات عمرها ما هتتصلح خلتني مش عارفة أحبك ولا أكرهك، ونفسي أهرب منك ومن حضنك وفي نفس الوقت نفسي أترمى فيه ربنا عالم بيا، وزي ما شاف اللي عملته فيا، إن شاء الله هينتقملي منك أشد انتقام !!!!
تراجع يوسف برهبة، والدموع تملأ وجهه :
ماتدعيش عليا يا ليلى أنا خايف من ربنا اوي، خايف من كل ذنب عملته وشيطاني كان عاميني......
بكى يوسف بصمتٍ موجع يمزق الروح، بينما ظلت ليلى تراقب انكساره بقلبٍ مثقل قلبٍ ما زال عاجزاً عن الغفران لكنه جائعٌ للحظة سكن وأمان وفي تلك اللحظة التي توقف فيها الزمن، ورغم إدراكهما ان كل ما يحدث هو عبارة عن خطأ وذنب كبير، اندفع يوسف ليعانقها باحتياجٍ وحرمان !!!
حاولت دفعه في البداية بوهن، لكن حصونها انهارت أمام سطوة الحنين، فاستسلمت واحتضنته بقوة زلزلت كيانهما تعانقا في صمتٍ طويل، لم يكن يقطعه سوى صوت شهقاتهما المكتومة ونحيب أنفاسهما المتسارعة......
عناقٌ يجمع بين القهر والاشتياق، كأن في هذا العناق الممزق يجدون موطناً ضائعاً لا يستطيعون العودة إليه، ولا يقدرون على تركه !!
.........
تحرك بدر وآدم وأوس وجميع رجال العائلة وخلفهم عددٌ هائل من الرجال بدا المشهد كموكب مهيب....
كانت الخطوات متسارعة، والوجوه مشدودة، والقلق والذعر مسيطر عليهم جميعًا !!
بعد وقت ليس بقصير لاح لهم من بعيد طيف سيارة مروان مصطف على جانب الطريق في سكونٍ مريب، توقفت السيارات دفعةً واحدة، لكن بدر لم ينتظر أحدًا اندفع يجري نحو سيارة ابنه بخوف شديد، وقلبٍ يسبق خطاه يدعو الله ان يكون طفله بخير لكنه ما إن اقترب وأطل داخل السيارة حتى تجمد في موضعه، وقد صُدم بما رآه
فقد كان مروان قريبًا من غنوة للغاية ووضعهما بدا مخزيًا على نحوٍ موجع حتى تجمد بدر في مكانه وقد سقط منظرهما على قلبه بثقلٍ قاسٍ لكن بسرعة وفي لحظة حاسمة وقبل أن يقترب أحدٌ من الرجال ويرى ما رآه، رفع بدر يده بإشارةٍ حازمة أوقفت الجميع في أماكنهم......
تبادل الرجال النظرات وقد انعقدت الدهشة على ملامحهم،ط لكن صرامة بدر جعلتهم يتراجعون دون سؤال !!
تقدم بدر خطوة أخرى، وطرق على زجاج السيارة طرقًا عنيفًا دون ان ينظر لداخلها مرة أخرى
زفر مروان باضطراب شديد ومرر يده على وجهه كأنه يحاول محو اللحظة من ذاكرته، بعدما استوعب أخيرًا ثِقل ما كان فيه. تجنب النظر إلى غنوة، ثم إلى أبيه لا يعرف ماذا حدث شيئًا داخله قد اختل، عقله قد غاب عنه تمامًا، ولولا وصول أبيه والرجال في ذلك التوقيت لقد قد أضاع الفتاة بسبب لحظة تهور وضعف منه ومنها !!!!
أمّا غنوة، فبقيت داخل السيارة، تنكمش في مقعدها، والدموع تنساب على وجنتيها في صمتٍ موجع
كانت تشعر بمرارةٍ قاسية تعتصر قلبها، تؤنب نفسها بحدة تجلد روحها على لحظة ضعفٍ لم تحسن تقديرها
أخذت تعدل هيئتها بيدٍ مرتجفة، ومسحت شفتيها بخزى كأنها تحاول محو أثرٍ يلاحقها، وقد تمنت في تلك اللحظة لو تنشق الأرض وتبتلعها من شدة العار الذي تشعر به.....
لكن الهمهمة بين الرجال تعالت فجأة حين وقع نظرهم على الجرح في جسد مروان، اندفع ريان نحوه سريعًا يتفحصه بقلق، ثم قال بلهجةٍ حازمة مطمئنة :
اهدوا يا جماعة الجرح سطحي وبسيط الحمد لله مفيش حاجة تقلق.....اطمنوا
تنفس الجميع الصعداء، لكن الغضب ظل مشتعلاً في صدر بدر كجمرٍ يرفض الانطفاء بينما مروان فتح باب السيارة مجددًا يساعد غنوة على النزول بصمت ثم أخذها معه وصعد بها إلى سيارة أخرى بعدما أمرهم والده بالعودة مع خاله ريان بسبب جرحه ومعهم بعض الرجال لحمايتهم
تحركت السيارات من جديد، متجهة نحو المكان الذي يوجد فيه يوسف والذي لم يكن يبعد سوى دقائق قليلة لكنها مرت عليهم كأنها زمنٌ طويل مثقلٌ بالقلق والخوف !!
ما إن وصلوا ودخلوا المكان حتى اصطدموا بيوسف وليلى متعانقين بقوة، وصوت بكائهما يرتفع في المكان كأنينٍ يقطع نياط القلوب، اشتعلت عينا أوس بغضبٍ حارق، لكنه كبح ثورته بصعوبة، وأجبر نفسه على التماسك، ثم اندفع نحو ابنته يضمها إلى صدره بلهفة جارفة وكأنه يستعيد جزءًا من روحه كان على وشك الضياع
في تلك اللحظة، مسح يوسف دموعه سريعًا، وقد شعر بثقل العيون المعلقة به عيونٍ تمتلئ بالشفقة، وأخرى بالعتب وثالثة بالصمت المؤلم، لكن قلب الأب لا يعرف القسوة حين يرى ابنه منكسرًا اقترب بدر من يوسف، متناسيًا ألمه وغضبه، متجاهلًا الجرح الذي تركه ابنه في قلبه، ومد ذراعيه نحوه....
احتضنه بقوةٍ مرتجفة، كأنه يخشى أن يفقده مجددًا
بادله يوسف العناق، قائلاً بصوتٍ خفيضٍ مرتجف، لم يسمعه سوى والده :
سامحني.....بالله عليك يا بابا
ظل بدر صامتًا، صمتٌ ثقيلٌ يحمل في طياته وجعًا عميقًا وعتبًا مكتومًا، وخوفًا لم يهدأ بعد
ثم التفت هو وآدم في اللحظة ذاتها، وقالا بصوتٍ صارمٍ لا يقبل النقاش :
هترجعوا انتوا الاتنين مع الرجالة، احنا لقينا مروان وغنوة بس بعتناهم مع الرجالة وخالك ريان عشان مروان اتصاب في دراعه.....واحنا هنكمل الباقي
انتفض يوسف بخوف على شقيقه لكن الجميع طمأنه، ساد صمتٌ قصير، قبل أن يقطعه أمير بنبرة حاول أن يجعلها مرحة لكنها خرجت باهتة مثقلة بالتعب :
واضح إننا هنرجع لأيام الشقاوة تاني بس المرادي اللعب تقيل
بعد جدالٍ قصير، انصاع يوسف للأوامر، وعاد بالفعل برفقة ليلى مع بعض الرجال بينما بقي الآخرون خلفهم، وعيونهم تشتعل بشر صامت
بعد وقت قصير وصلت الشرطة، وبدأت مع الرجال تمشيط المنطقة بأكملها، لم يطل الأمر كثيرًا حتى تمكنوا من اللحاق بـطاهر قبل أن ينجح في الفرار، بينما أُصيب ماجد برصاصة في ظهره وهو يحاول الهروب، فسقط أرضًا !!!!
كانت ليلة طويلة، ثقيلة، استنزفت الأرواح قبل الأجساد
ليلة انتهت بصعوبة بالغة وكأنها معركةٌ هدأت نيرانها أخيرًا بعد صراعٍ مرير
لكنهم وسط شعورهم بأن الخطر قد انتهى
لم يكونوا يدركون أن ما ينتظرهم ربما أقسى وأوجع وأن الوجع القادم أكبر مما مضى......
فصاحب اليد العليا بكل تلك الكوارث لم يقع بعد !!!!
...........
مع شروق الشمس وبداية الصباح، وبعد يوم طويلٍ انتهى بالكاد كان الجميع يلتفون حول يوسف وليلى ومروان يطمئنون عليهم ويحاولون استيعاب ما حدث
أما غنوة فقد اختبأت داخل غرفتها بفيلا بدر رافضة الخروج كلما تذكرت ما حدث كانت تبكي بانهيارٍ شديد يعتصر قلبها خزيٌ وخوفٌ لا يفارقها !!!
لكن لحظة الهدوء تلك لم تدم طويلًا......
حيث فجأة دخل نوح بخطواتٍ غاضبة متسارعة نحو الجميع المجتمعين في فيلا آدم الكبيرة بعد ان نجح اخيرًا في الهروب من رجال يونس
كانت ملامحه مشتعلة بالغضب، وعيناه تقدحان شررًا
اتجه مباشرة نحو أدهم، بينما تجمد يونس في مكانه بقلقٍ واضح من القادم وكذلك قمر التي كانت ترتجف حرفيًا تستشعر عاصفة على وشك الانفجار
اقترب أدهم وسليم من نوح بغضب مستعدين للاشتباك لكن نوح أوقفهما قائلاً بنبرةٍ مليئة بالمكر والتشفي، وهو ينظر إلى يونس وقمر بغلٍ واضح :
اهدى بس يا أدهم يا جارحي وفر الضرب ده لحد تاني هتحتاجه صدقني، خليه للي يستاهله
لم ينتظر يونس لحظة واحدة، بل اندفع نحوه ووجه له لكمة قوية يعلم مسبقًا ما الذي ينوي قوله
لكن نوح ردها سريعًا، ليندلع شجارٌ عنيف بينهما تبادلا فيه الضربات بعنف وغل بينما وقف الجميع مذهولين مما يحدث
وقفت قمر مكانها متسمرة، تنظر إلى نوح بذهولٍ ورعب بل بقهرٍ وخيبة أملٍ وخذلان ايضًا وهي ترى الشر يتطاير من عينيه نحوها وفي لحظةٍ حاسمة، تدخل أدهم وأمسك بمقدمة ملابس نوح بغلٍ واضح، يحدق فيه بنظراتٍ مشتعلة بالغضب
ابتسم نوح بسخرية وقال بتهكم :
ما قولتلك وفر المجهود ده للي يستاهله
دفعه أدهم بعيدًا، بينما ظل الجميع في حالة ارتباكٍ تام، غير قادرين على فهم سبب الشجار العنيف بين يونس ونوح بدأت الهمسات تتردد بينهم، يرجحون أن السبب قد يكون غيرة قديمة بسبب قمر التي كان معروفًا لدى الجميع عشقها لنوح منذ سنوات
اعتدل نوح في وقفته ومسح أثر الدم من جانب فمه ببطء ثم رفع رأسه ونظر إلى أدهم بنظراتٍ مليئة بالمكر وقال بصوتٍ منخفض لكنه مسموع :
اللي يستاهل تعمل فيه كده يا جارحي هو اللي غفلك مع بنتك، عشان يداري على مصيبة كبيرة مصيبة لو اتكشفت هتولع البيت كله وانا السبب فيها.........
اندفعت قمر لا ترى أمامها سوى شيطانٍ متجسدٍ في هيئة بشر، شيطانٍ سرق نقاءها، وبرائتها، وانتزع منها سلامها الداخلي كما تُنتزع الروح من الجسد
كانت خطواتها ترتجف، لكن عينيها تشتعلان بثأرٍ طال كبته،
مدت يدها نحو السكين الموضوع على طبق الفاكهة الجانبي قبضت عليه بقوةٍ، وكأنها تمسك بآخر خيطٍ من كرامتها المهدورة، ثم غرستها في صدر نوح دون أن يرف لها جفن !!
اتسعت عينا نوح بدهشةٍ ووجع، لا يصدق أن نهايته على يد من دمرها، سقط أرضًا ببطء، والدماء تتفجر من صدره كأنها تعلن عن تطهيرٍ متأخرٍ لخطيئةٍ قديمة
وقفت قمر فوقه، لا تشعر بالانتصار، ولا بالندم
فقط فراغٌ قاتل، وصمتٌ أثقل من كل صراخٍ مر في حياتها
بينما كان الجميع في حالة فزعٍ وذهول، وتعالت الصرخات في المكان ومّ الاضطراب أرجاء الفيلا كانت قمر في عالم آخر تمامًا تقف كأنها فقدت الإحساس بما يدور حولها وعيناها شاردتان لا ترى ما يحدث بقدر ما تغرق في صدمة داخلية عميقة......
في تلك الأثناء، كان الرجل الذي جاء برفقة نوح يقف جانبًا يراقب الفوضى بصمت قبل أن يخرج هاتفه ويتصل بسمر يبلغها سريعًا بما حدث لتخبره على الفور ان يتصل بالشرطة ابتسمت بتشفي وهي تتخيل ابنة أدهم وقمر خلف القضبان مثلما القى بها قديمًا بالسجن !!
بينما الرجل لم يتردد وأنهى المكالمة سريعًا ثم طلب الشرطة كما أمرت ولم يمر وقتٌ طويل حتى بدأت صفارات سيارات الشرطة تعلو في المكان تقترب شيئًا فشيئًا وصوتها يشق الصمت المشحون بالخوف والتوتر
ازداد الارتباك بين الحاضرين، وكلٌ منهم يحاول فهم ما يجري بينما بدت ملامح القلق والخوف واضحة على الوجوه
كان الكل كله غارقًا في التخبط والفوض وكأن النهاية التي ظنّها الجميع قريبة لم تكن سوى بدايةٍ لفصلٍ أكثر تعقيدًا
ألم أقل لكم.....إن الأمر لم ينتهي بعد....؟!!!!
............
البارت خلص 🔥
صواريخ البارت ده واللي جاي وكل اللي جاي مستعدين ليها يا حلوووين 😂♥️
والله وحشتوني اوووووي 😍
مفيش حمد الله على السلامة بقى 🥹
مستنية رأيكم على نار بعد غياب طويل
بجد والله وحشتوووووني خالص 🥹♥️♥️
تكملة الرواية من هناااااااا
لمتابعة باقى الرواية زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كاملة الجزء الاول1 من هناااااااااا
الرواية كاملة الجزء الثاني2 من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله 1اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هناااااا


تعليقات
إرسال تعليق