رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الرابع والاربعون 44بقلم سيلا وليد حصريه
رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الرابع والاربعون 44بقلم سيلا وليد حصريه
الفصل الرابع والاربعون
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
لم تكن تطلب المستحيل، كانت تطلب امتداداً للحب…
وكان هو يسمع كلماتها كمن يسمع المطر يتساقط فوق أرضٍ لن تُنبت.
يبتسم، يخفي تصدّع صوته، يؤجّل الاعتراف، كأن الصمت قد يداوي ما أفسدته الحقيقة.
كان كاملاً في نظرها، ناقصاً في مرآته. بين رغبته في أن يبقيها وخوفه من أن يخسرها، تنمو الحقيقة في صدره كطفلٍ بلا ولادة.
أما هذا، فعرف اسمها قبل أن يعرف الحب، وحين باح…
أغلقت الأبواب، وتركته مع جرحٍ لا يُرى.
مرّت الأعوام، وتبدّلت الوجوه،
وكتبت الأيام جمعهما بعقدٍ لم تُنسَج خيوطه بالحب، بل بالاضطرار.
بينهما كلمات لا تُقال، ونظرات تُربك الصمت.
لا اعتراف… ولا إنكار.
ركض نحوها، وانحنى يرفعها من فوق الأرضية دون تردد، بينما كانت تبكي بصوت مرتفع، بكاءً مفزِعًا مزّق صدره لحظة أن رآها بتلك الحالة.
ضمّها إلى صدره، حملها بين ذراعيه، وكل ما يشعر به قلبه الذي يعتصر ألمًا وخوفًا عليها… وخزيًا من كونه السبب في ارتباكها.
انكمشت بين ذراعيه كطفلة مذعورة، دفنت وجهها بصدره، كأنها تحتمي به من نفسها قبل أي شيء.
وضعها فوق الفراش بحذرٍ شديد، ثم تناول الروب وسحبه سريعًا يساعدها على ارتدائه، وهو يشيح بوجهه محاولًا السيطرة على العاصفة التي تثور داخله.
ارتدته وهي مطرقة الرأس، عيناها معلّقتان بالأرض بخجلٍ جارح، كأنها تُعاقب نفسها بنظراتها.
خرج سريعًا، عاد بعلبة الإسعافات الأولية، ليجدها قد انتهت من ارتداء الروب بالكامل، ما زالت تجلس في صمتٍ هش.
جلس أمامها دون كلمة، الصمت كان أثقل من أي حديث.
مد يده يسحب ساقيها بهدوءٍ متناقض مع النار التي تشتعل داخله.
تأوّهت فجأة وسحبت قدمها، فرفع رأسه إليها قائلًا بنبرة حاول أن يجعلها ثابتة:
_ رولا… اهدي، ركبتك فيها جرح.
وضع المطهّر، فبكت من حرقة الألم، دموعها كانت أشد عليه من الجرح نفسه.
رفع عيناه إليها، ينظر اليها نظرة موجوعة، ومسح على شعرها بحنانٍ مرتجف:
_ معلش… لازم كدا علشان النزيف يوقف.
ثم سأل بصوت أخف:
_ ازاي وقعتي بالشكل ده؟
لم تُجب.
كل ما تشعر به انهيارها من رؤيته لها وهي عارية، إحساس بالعار امتزج بالخوف، وبقلبٍ يخفق بقوةٍ لا ترحم.
شعر بما يدور داخلها، التقط ارتباكها دون كلمات، فحاول أن يخفف الأجواء، رغم الصراع الذي ينهشه:
_ على فكرة بقى… حرام عليكي.
ثم ابتسم ابتسامة خافتة تحمل توتره كله:
_ قولت مليون مرة، أنا متربي آه… بس الشيطان ساعات بيطبل في دماغي.
سكت بعدها، كأنه يعاقب نفسه على اعترافٍ خرج دون قصد…
أما رولا، فكانت ما زالت تحدق في الأرض، لا تريد أن يرى ضعفها، لا تريد أن يلمس قلبه حزنها.
ضم رأسها بين يديه، وطبع قبلة خافتة على جبينها، كأنها تعدل توازن العالم من حولهما:
_ خلاص… اهدي، انتي ناسية إني جوزك؟
ارتعشت بين ذراعيه، رغم شعورها بالحنان الذي يفيض من أحضانه، أغمضت عينيها، ولفّت ذراعيها حول جسده، مستسلمة لدفئه رغم كل شيء.
ابتسم لا إراديًا على فعلتها، كأنها تذكّره بضعف لم يره من قبل.
ظل بجوارها، صامتًا، إلى أن هدأت أنفاسها أخيرًا. وضع رأسها برفق على الوسادة، ودثرها بالغطاء كما لو كان يحميها من كل ألم في العالم.
جلس بجانبها، يمرر أصابعه بهدوء على خصلات شعرها، حنانًا يشبه حنان الأب لطفلته المدللة، رغم أنّها زوجته، ورغم كل ما بينهما من ألم وخوف.
مرت دقائق، ثم نهض من مكانه بهدوء، خرج من الغرفة، اتجه إلى هاتفه وتحدث مع أخته:
_ اسف يا ضي… مش هعرف أجي، رولا وقعت في الحمام.
_ لا… هي كويسة ونامت. الصبح هعدي عليكي يا حبيبتي.
أغلق الهاتف، ثم اتجه إلى المطبخ، أعد فنجان قهوته، وعاد إلى غرفتها وهو يحمل معه القهوة وجهازه.
جلس بجوارها على الفراش، بدأ يعمل على رسالته لبعض الوقت، لكن التعب بدأ يتسلل إليه.
التفت نحو نومها، كانت كالطفلة التي استنزفها اللعب حتى غفوت بسلام، وجهها مرتاح، ويدها مسترخية فوق الغطاء.
ابتسم في صمت، شعور غريب يختلط بين الحب، القلق، والطمأنينة….
استند على كفيه فوق الفراش، وعيناه تتهادى على ملامحها في صمتٍ خطِر.
مرّر أنامله على وجهها ببطء، كأنه يحفظ تفاصيلها، حتى وصل إلى شفتيها…
وآهٍ من تلك الشفاه، محرّمة عليه، كتفاحة آدم، يعرف طعم الخطيئة فيها دون أن يجرؤ على الاقتراب.
انحنى قليلًا، يستنشق رائحة عطرها المختلطة بالماء.
رفع يداه إلى شعرها، ما زال منديًّا، فمرّر كفيه تحته ليتأكد إن كانت المياه قد وصلت إلى جسدها.
انتفض داخله، فنهض سريعًا من فوق الفراش، واتجه ليجلب منشفة، جمع بها خصلاتها فوق رأسها وهو يتمتم بندم:
_ آسف… نسيت إن شعرك كان مبلول.
فتحت عينيها بإرهاق، همست باسمه بصوتٍ بالكاد يُسمع.
انحنى إليها، وابتسم بخفة، يحاول ألا يفضحه قلبه:
_ نامي… شعرك كان مبلول، بحاول أنشفه.
ثم سألها وهو يلتفت:
_ انتي بتنشفيه إزاي؟
أشارت بيدها نحو المجفف.
التفت إلى حيث تشير، ثم شهق بتصنّع:
_ ما تقوليش! البتاع ده؟ هشغله على شعرك؟
_يابنتي حرام عليكي انا مش قديس، حتى مدخلتش الجيش، امسك نفسي ازاي
انحنى يهمس اليها:
_فرحانة فيا، بس والله المفروض ادخل الجنة من غير حساب، ايوة انا والحسناء، والشيطان وتفاحة ادم، تفتكري ادوق التفاحة ولا اصبر وادخل الجنة
لكزته ضاحكة:
_بس بقى، ليك عين تضحك وأنا كدا
_دا أنا المفروض ارقص، دي غرام دعت وهي بتصلي الفجر، روح يابني الهي مراتك توقع في الحمام وتشيلها
توردت وجنتيها وابتعدت بنظرها عنه
_اعتبريني زي جوزك وماتتكسفيش.. مش هقول لحد
ابتسمت على حركاته، وهزّت رأسها بخفة:
_ طيب وسع يازي جوزي
_لا ياراجل، زي جوزك
_مش انت لسة قايل اعتبريني زي جوزك
دفع الغطاء عنها جانبًا، وقال
_انا بقول مثلًا يعني، ثم قام بحملها بين ذراعيه متجهًا بها إلى غرفة ملابسها:
_ لازم تغيّري مادام صحيتي. شعرك غرّق الروب، وكمان علشان تعرفي تنامي.
أجلسها على المقعد، وأشار إلى الخزانة:
_ أجيب لك إيه؟
صمتت، هزّت رأسها بالرفض:
_ مش هينفع… اطلع وإنا هقوم أجيبهم.
نظر إلى ركبتها المصابة، ثم اقترب منها خطوة:
_ هتقدري تقومي وتلبسي؟
أومأت، وابتعدت بنظراتها عنه
حاوط المقعد بذراعه، ورفع ذقنها بيده الأخرى، مجبرًا إياها على مواجهته:
_ رولا… عارف إن جوازنا مش مكتمل.
ثم تابع بصدقٍ خالص:
_ بس مش معنى كده إني أسيبك تعاني. قبل ما أكون جوزك، أنا ابن عمك…
ثم اكمل بصوتٍ أهدأ:
_ وإنتي عارفة إنك غالية عليّ، ومستحيل أأذيكي.
رفعت كفيها إلى وجهه في لحظة ضعفٍ عارية، وخرج صوتها مرتجفًا:
_ لسه بتحبني يا بلال؟
ارتجف قلبه من سؤالها غير المتوقع.
اعتدل واقفًا، ابتلع ريقه بصعوبة، هربت الكلمات من فمه كما هربت مشاعره:
_ شوفي هتلبسي إيه… ولو عايزة مساعدة ناديلي.
قالها، وغادر الغرفة مسرعًا…
هاربًا من عينيها، ومن قلبه الذي ينهار، بل من حقيقةٍ يخشاها أكثر من أي شيء:
أنه ما زال يحبها… حد الوجع.
تابعت خروجه بعينين مثقلتين بالحزن، حتى أغلق الباب خلفه، فانهار ما تبقى من قوتها.
نهضت بصعوبة، تأوه مكتوم شق صدرها، استندت إلى الجدار، وسحبت قميصًا مريحًا للنوم، ارتدته بمشقة، ثم خرجت تجر قدميها جرًّا.
استدار على صوت فتحها للباب، لم يمهلها ثانية، اتجه إليها بخطوات سريعة وحملها بين ذراعيه، رغم اعتراضها الخافت ومحاولتها الضعيفة للابتعاد عنه. لم يصغِ، كأن ألمه كان أعلى من كلماتها.
وضعها فوق الفراش ودثرها بعناية، ثم قال بصوت منخفض:
_أعملك حاجة تشربيها أو تاكليها؟
هزّت رأسها بالرفض، وعيناها نصف مغمضتين:
_لا… هنام.
_طيب نامي، أنا هنا لو احتجتي حاجة.
توقفت عيناها عند حركته وهو يسحب المقعد ويضع عليه الجهاز، فتمتمت بتردد:
_مش هتنام؟
رفع عينيه إليها:
_شوية وهنام… لما تنامي.
_إنت هتقعد هنا؟… قصدي هتبات في الأوضة يعني؟
جلس على طرف الفراش، قربه منها:
_هقعد مؤدب متخافيش، علشان لو احتجتي حاجة. خايف أنام وماسمعش صوتك… عارف إن وجع الركبة صعب في الحركة.
هزّت رأسها بنفي ضعيف:
_لا لا، أنا كويسة… لازم ترتاح.
استند بذراعه على وسادتها، اقترب أكثر، وصوته صار أصدق:
_رولا، عايزك تفهمي حاجة مهمة… أنا مستحيل أسيبك بتتألمي، حتى لو زعلانين من بعض. وقولتلك قبل كده، اللي بينا مش ورقة جواز.
فيه بينا دم، وذكريات حلوة… مش علشان موقف مزعلني منك يبقى خلاص.
سكن جسدها، ثم خرج السؤال كطعنة:
_بلال… إنت اتجوزتني ليه؟
صمت.
لحظات ثقيلة، عينيه تعانق عينيها كأنهما يبحثان عن مخرج، ثم اعتدل قليلًا:
_ليه السؤال اللي يزعل ده؟ وترجعي تزعلي من كلامي؟
_اقنعني.
تنهد، وصوته فقد دفئه:
_مفيش حاجة أقولها علشان أقنعك بيها… موضوع واتحطينا فيه كلنا، ومكنش ينفع غير جوازنا.
ابتلعت غصتها:
_تفتكر دي الحقيقة؟
اقترب أكثر، نبرته حادة مموهة بالحنان:
_نامي يا رولا… بدل ما أنوّمك بطريقتي.
ترددت، ثم سألت بصوت واهن:
_طيب… كنت فين من بعد ما خرجت من الحفلة؟
التفت إليها، لمعة غامضة عبرت عينيه، لم يعرف سببها، فسأل:
_ده سؤال بريء… ولا غيرة؟
نظرت له بثبات موجع:
_الاتنين.
ابتسم، ابتسامة خفيفة لم تصل لعينيه:
_لفّيت شوية بالعربية… مكنتش عند حد، ولا روحت لراقصة أفراح زي ما حضرتك اتهمتيني.
_إيه اللي بينك وبينها؟
هنا صمت.
انسحبت عيناه بعيدًا، وغاص في ذاكرة اليوم
قبل عدة ساعات…
توجه إلى قسم الشرطة وسأل عنها بقلقٍ ظاهر.
رد عليه أحد العساكر بفتور:
_في الحجز… هتيجي بعد شوية.
قالها تزامنًا مع خروج المحامي من غرفة الضابط.
_إيه اللي حصل؟
مد المحامي يده بصورة من المحضر.
_ماكانش ينفع تقعد في عمارة… وإحنا عارفين طليقها المتخلف هيحاول يأذيها.
اتسعت عينا بلال بصدمة.
_إيه ده؟!
أشار المحامي إلى الأوراق بمرارة.
_سكان من العمارة اتهموها… وطبعًا عامل الدليفري شاهد معاهم.
_يعني إيه؟ وليه كل ده؟
تنهد المحامي بعمق قبل أن يجيب:
_القضية دي لو اتحولت آداب… مستقبلها يضيع، ومش بس كده، دي ممكن تتحبس.
ثم أردف بأسى:
_والله البنت صعبانة عليّ… ربنا ينتقم من طليقها.
قبض بلال على فكه.
_طيب والحل؟
هز المحامي رأسه بعجز.
_مش عارف… الأدلة كلها ضدها، وبما إنها لوحدها، الظابط هيصدق اللي قدامه.
تغضّن وجه بلال بعبوسٍ حاد.
_طيب نقدّم المحضر اللي عملناه قبل كده على جوزها ونطعن.
زفر المحامي بضيق.
_اتقدّم، بس الباشا في شرم… يعني هيثبت بمليون طريقة إن مالوش علاقة.
سكت لحظة ثم أضاف:
_وغير كده، ممكن تقلب ضدنا. البنت وحيدة، وابن عمها مستحيل يشهد معاها… ده واخد عليه وصلات أمانة.
جلس المحامي قبالته، ملف القضية مفتوح بين يديه، نظر إليه نظرة فاحصة قبل ما يتحدث بهدوء محسوب:
_بص يا دكتور… قبل أي حاجة، خلّيني أقولك إن وجودك هنا في حد ذاته فارق...
البنت دي مستقبلها على المحك، وسمعتها لو اتأذت مش هترجع تاني.. وخاصة صورك معاها، انت شايف فيه منها الحقيقي، وكمان الكام مرة اللي رحت لها البيت فيهم دا مكنش صح، هو لعبها صح، فلازم احنا نكون هادين، سهل موضوع الصور المتركبة دي، لكن صورك دي المشكلة
رد بلال بقلق:
انا كنت بساعدها، ومارحتش غير، مرتين.. اللي بيحصل ده ظلم، وأنا مش هسيبها.
أومأ المحامي بتقدير، ثم قال بنبرة أوضح:
_البلاغ مبني على تشويه وادعاءات، وصور مركبة.
القانون هنا مش محتاج صدام… محتاج إثبات هادئ ذكي يقفل الموضوع من غير دوشة.
يعني إيه بالظبط؟
_يعني نثبت إن وجودك في حياتها مش شبهة، وإن علاقتك بيها علاقة شرعية ومحترمة.
ده لوحده كفيل يسقط كلام الشهود ويهز البلاغ كله.
سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة جدية:
_بس لازم نفهم حاجة مهمة…
إحنا مش بنلف ولا بنزوّر، لأن أي غلطة هنا هتدمّرها وتدمّرك معاها.
شدّ بلال كتفيه وقال بثبات:
_بس دا صعب، انا متجوز، انت بتطلب المستحيل
_تمام فهمت قصدك، خلاص هنحاول نطعن في الصور، ونشوف خبير فني، بس انا خايف، يكون في ملعوب، البنت كدا هتضيع
مسح بلال على وجهه بغضب، فنظر الى المحامي
_المشكلة علاقتها بيك، الحيوان عارف ان دي سلاح هيدمرها، وزود فوق دا كله... شهادة السكان
_تمام شوف المطلوب وهعمله، لكن مجرد النهاردة بس، ومش عايز كلمة تطلع من بينا
رفع المحامي حاجبه، التقط الخيط بسرعة:
_وده المطلوب.. تخرج لو فيه أي دليل إن نيتك كانت واضحة من البداية، كلام، شهود، ترتيب، حتى علم ناس قريبة، ده كله بيتقدّم بشكل قانوني محترم.
طيب لو العقد اتكتب دلوقتي؟
ابتسم المحامي ابتسامة خفيفة، واعية:
_العقد الحالي إجراء،
لكن اللي يهمنا إثبات إن العلاقة ما بدأتش النهارده،
وإن وجودك معاها ما كانش جريمة ولا خفاء.
اقترب قليلًا وخفّض صوته:
_إحنا بنتعامل مع بنت في كلية صيدلة
أي ضجة هتأذيها حتى لو خرجت بريئة.
علشان كده… دخولك يكون هادي، رسمي، ومحسوب.
تنفس بلال بعمق:
_اعمل إيه بالظبط؟
المحامي:
تحضر، تثبت شخصك، تثبت نيتك،
وتسيب الباقي علينا.. معنى وجودك من غير مايطلبوك دا في حد ذاته القضية انتهت
إحنا هنطلب فحص الصور، ونقفل باب الكلام، ونطلعها من القضية نضيفة.
نظر له بامتنان واضح:
_المهم إنها تطلع من الليلة دي من غير ما اسمها يتلوث.
أغلق المحامي الملف وقال بثقة:
_طالما إنت واقف معاها صح…
اطمّن، القضية دي هتقع،
واللي حاول يكسّرها هو اللي هيتسأل.
اوقفه بلال
_هيكون عقد عرفي، لكن كافي الشروط، مش هكتب رسمي، وبكرة كل حاجة ترجع زي ماكانت
_للاسف.. هنستنى شوية، دا تحايل، وخايف كدا انك بضرها اكتر
تنهد بلال بغضب
_يعني ايه.. انا مش هكتب رسمي، انا بحاول اساعد، ومادام العقد التاني كافي الشروط خلاص اعمله
_يادكتور انا مبقولش على العقد، انا قصدي انك تطلقها تاني يوم
_خلاص فهمت.. قاطع حديثهم وصول كارما بحالة لاترثى لها، دموعها لم تتوقف، نهض واقترب منها.. بكت بصوت مرتفع
_انا مظلومة، والله ماعملت حاجة
ربت على كتفها:
_اهدي انا هتصرف
هزت رأسها وقالت بنحيب:
_مش عايزة ادخل السجن لو سمحت، اتجهت للمحامى
_كلم اسامة ايااستاذ، انا موافقة ارجع له، المهم يخرجني من هنا
_كارما قولت اهدي، ان شاء الله هتصرف
ضربت قدمها بالارض:
_انا كنت بحضر ورقي علشان اسافر لعمي، انا خلاص هسافر، المهم اخرج، حياتي ادمرت
نهض المحامي واشار الى بلال
_الدكتور هيكتب عليكي ياكارما، وهتطلعي النهاردة.. المهم اهدي واسمعي اللي هقوله
ابتعدت كالملسوعة
_دكتور مين اللي يكتب علي، التفتت الى بلال تهز رأسها بعنف:
_مستحيل.. انا مش موافقة، مستحيل، ذنبك ايه
اقترب منها:
_كارما دا مجرد روتين، هيخلص هنا
_لا.. انا مش موافقة، دا انت لسة مكملتش شهرين جواز
_الموضوع بينا، واتمنى مايخرجش من بينا احنا التلاتة، مجرد ورقة هتنضاف للمحضر، علشان تخرجي من هنا
_وانت ذنبك ايه
_ سلمي امرك لله، ياله المتر هيدخل معاكي وهيتصرف
بعد ساعة واكثر.. خرجت من القسم بجواره، توقف يشير الى سيارة الحراسة الخاصة به
_روحي دلوقتي.. وانا هكلمك بعدين، اومأت بصمت، لانها لم تقو على الحديث.. تحركت بعض الخطوات إلا انه اوقفها
_كارما مش هقولك تاني الموضوع مايخرجش بينا
_متخفش يادكتور، وشكرا على كل اللي عملته، ربنا يسعدك
قالتها وتحركت فاشار للسائق الذي تحرك اليه
_وصلها وخليك معاها، وانا هكلمك توديها فين
_تحت امرك يادكتور
خرج من شروده على مسكة يدها ليده.
التفت إليها، وقال بصوت حاول يكون ثابت:
_نامي… وأنا جنبك.
تمددت في صمت، وكأنها تفعل ذلك إهدارًا لكرامتها لا استجابة لطلبه. لاحظت أنه لم ينتظر ردّها، عاد ينكبّ على جهازه، بملامح باردة لا تشبه الارتباك الذي ينهش صدرها.
فجأة… قفزت المكالمةوهو يقول للأخرى إنه سيذهب إليها صباحًا.
اعتدلت بسرعة رغم الألم الذي شقّ ركبتها، وقالت بنبرة حاولت أن تكون حاسمة:
_روح أوضتك… أنا مش هعرف أنام وانت هنا. وبعدين أنا مش محتاجة حاجة… كفاية تضحيات بقى.
التفت إليها سريعًا، كأن الكلمات صفعته.
تلاقت العيون…عيناها متحديتان، تخفيان انكسارًا، وعيناه حائرتان، لا تفهمان كيف انقلبت في لحظة.
_تمام… لو احتجتي حاجة رنّي عليّ، هتلاقيني عندك.
_لا شكرًا… مش محتاجة.
تأفف بضيق من تقلّب مزاجها المفاجئ، نهض وهو يحمل جهازه، خطا خطوتين… ثم توقف فجأة.
عاد، وضع الجهاز مكانه، واتجه إلى دوائها.
سحب قرصًا ومد يده لها:
_ده مضاد قوي… خدي منه، هتنامي مرتاحة، والصبح الجرح هيبقى أحسن.
سحبته منه بعنف.
لم يعلّق. فقط انحنى، التقط كوب الماء، واقترب يساعدها على الارتشاف.
وضع الكوب بجوارها، وأشار إلى الوسادة:
_يلا نامي… علشان أغطيك.
حرب شعواء اشتعلت داخلها.
تريده أن يضمها، أن يربت على قلبها، أن يعدها بالبقاء…
لكن هناك مواقف سابقة كانت أقسى من أن تُنسى، كفيلة بسحب روحها بوجع.
لاحظ شرود نظراتها، فسأل بقلق:
_في إيه؟ موجوعة؟
_أوي…
جلس مرة أخرى، وسحب ساقيها بحذر:
_وريني الجرح كده.
لم تمانعه، رغم ثورتها عليه، إلا أن قلبها كان يرفض خروجه من الغرفة.
فكّ الضمادة بهدوء، فتشبثت بذراعه متأوهة:
_آه…
_اهدَي… خلاص. الجرح صعب… مش عارف إزاي وقعتي كده.
قالها وهو يمد يده بالمعقّم، وبدأ يضعه برفق، بينما تأوهاتها تمزّق صبره.
لم تشعر بنفسها إلا وهي تحتضن ذراعه، وتدفن رأسها فيه، وكأنها تستمد الأمان منه رغماً عنها.
أنهى ما يفعله، ثم لفّ ذراعيها حول جسدها ليحميها، فانهارت باكية:
_ركبتي بتوجعني أوي…
_المسكّن دلوقتي هيشتغل… حاولي تنامي، تمام؟
أومأت، فساعدها على فرد جسدها بهدوء.
انحنى وطبع قبلة حنونة، علّها تقول ما عجز عنه صدره.
أغمضت عينيها تحاول ضبط أنفاسها من أثرها، بينما هو… خرج عن السيطرة.
لم يعد يحتمل صموده أمامها،
ولا قلبه الذي يصرخ بجنون عشقه لها،
بمنزل يوسف
ظلت بمكانها، ودموعها ما زالت تهبط على وجنتيها بلا توقف. منذ أن خرج، لا تعلم عنه شيئًا. مضت أكثر من ثلاث ساعات، وكل دقيقة كانت تمرّ كأنها دهر.
أمسكت الهاتف بيدٍ مرتعشة، تحاول الاتصال به، ثم فجأة ألقت به بعيدًا، كأنها تخشى أن تسمع صوته… أو ألا تسمعه.
ترددت كلماته في أذنيها، جارحة، قاسية، لا ترحم قلبها المرتعش.
لحظات…واستقرت دقات قلبها فجأة عند سماع صوت سيارته بالأسفل.
هبت من مكانها، ركضت للخارج دون وعي، ومع دخوله من باب المنزل ألقت بنفسها بين ذراعيه.
أخيرًا عاد…كاد قلبها يتوقف عن النبض بغيابه، وكأنه لم يعد يحتمل فكرة فقده ولو للحظة.
تجمد جسده لثوانٍ، لم يكن يتوقع أن تكون مستيقظة. كان يظن أنها نامت.
ثم رفع ذراعيه ببطء وضمها إليه، فانهارت باكية بصوتٍ مرتفع، كأن كل خوفها خرج دفعة واحدة.
_ خلاص… اهدي.
لكنها كانت تبكي بنشيج، تتمتم بصوتٍ مخنوق:
_ كنت فين دا كله؟
ابتسم بحزنٍ خافت، ابتسامة رجل مثقل بما لا يُقال، ثم انحنى وحملها بين ذراعيه، صاعدًا بها إلى الأعلى، بينما كانت تتمسك به كمن وجد نجاته الأخيرة.
عند باب المطبخ، كانت تقف تتابعهما بصمت، وعقلها الصغير يرسم أحلامًا لا تعرف حتى متى بدأت.
تمنت، ولو لثانية واحدة، أن تكون مكانها…
أن تضمها ذراعاه كما يضم «ضي»، أن تشعر بذلك الأمان الذي رأته بعينيها.
ظلت عيناها معلقتين بهما حتى اختفيا عن ناظريها، وكأن شيئًا انطفأ داخل صدرها.
عادت إلى غرفتها بخطواتٍ بطيئة، وجدت الخادمة الأخرى تغفو بسلام.
جلست، وفتحت كتابها محاولة إكمال دروسها، لكن الكلمات كانت جامدة، بلا معنى.صورته…وهو يقبل «ضي»
اهتز لها جسدها، كأن قلبها هو من تلقى القبلة بدلًا عنها.
أغلقت الكتاب فجأة، نهضت واتجهت إلى فراشها، تمددت تضم الوسادة إلى صدرها، وهمست لنفسها بصوتٍ مكسور:
_ أعمل إيه دلوقتي… وأنا مش قادرة أطلّعه من راسي… ولا من قلبي؟
بالأعلى
أنزلها بهدوء فوق الفراش، وكأنها شيء ثمين يخشى أن ينكسر بين يديه، ثم ابتعد متجهًا إلى خزانة ملابسه.
نهضت ببطء وتحركت خلفه، توقفت تراقبه وهو ينزع ثيابه في صمتٍ ثقيل، صمت يصرخ بما لا يُقال. استدار ليغادر، وجدها واقفة خلفه… عيناها لا تبكيان، لكنهما تنطقان بكل الألم المختزن داخلها.
اقترب منها، وحاصرها بنظراته، وقلبه يعتصر وجعًا عليها.
يعشقها حد الجنون، حد العجز، لكن للقدر رأيًا آخر لا يرحم.
سحب رأسها إلى صدره، طبع قبلة حنونة فوق شعرها، قبلة اعتذارٍ صامت.
أغمضت عينيها، يكفي أنها بين ذراعيه… يكفي الحب الذي تراه واضحًا في عينيه، حتى وإن خذلها الواقع.
رفعت رأسها تنظر إليه، وصوتها خرج واهنًا لكنه صادق:
_ يوسف… أنا بحبك أوي.
انحنى يلتقط شفتيها، عناقٌ مشبع بالشوق واليأس، وتاه الاثنان في ضراوة عشقهما الذي يصرخ… ورغم ذلك الا ان جميل حد الوجع... غفيا بسلام، وهي بين أحضانه، مبتسمة لما حدث، مطمئنة لقلبه، ظنّت أنها ستجني ما تريده هذه الليلة…ولم تكن تعلم…
أن المستقبل سيوقظها على رمادها المتناثر، وأن هذا الدفء كان الهدوء الأخير قبل الانكسار.
مضت الساعات حتى فتحت عينيها ببطء، تتأمل ملامحه المستسلمة للنوم. كان هادئًا من ثقل تعبه، اقتربت تضع رأسها فوق صدره،تستمع بدقاته الهادئة التي تشعرها بالسعادة وكأنها تنادي باسمها، ابتسمت وهي تشعر بانها ترى العالم كله هنا.. هدوء انفاسه مع نبضات قلبه جعلت قلبها يرتجف، لتتراجع برأسها ومرّت أناملها فوق وجهه برفق، تبتسم بسعادة وهي تستعيد صدى ليلة امس ليلةٍ ما زال دفؤها عالقًا بقلبها، اغمضت عيناها تتشرب انفاسه، تود لو يستيقظ ويسحقها مرة اخرى، ضعف قلبها، لتدنو و تطبع قبلة خفيفة على شفتيه.
فتح عينيه.
_ صباح الخير.
هزة عنيفة اصابت جسدها مما جعلها تقترب وتدفن رأسها في أحضانه تهمس له
_ لا… مفيش صباح. لسه عايزة أنام، وماتقولش هتنزل شغل.
لم يجبها. فقط شدّها إليه أكثر.
رفعت رأسها ترسم ملامحه هامسة اسمه
_ يوسف…
فتح عينيه، فوضعت كفيها على وجهه _ مستحيل ابعد عنك
ابتسم بصوتٍ مثقل بالنعاس:
_ وأنا يا ضي… ياريت تتأكدي من الحتة دي.. مش عايز كلام دلوقتي على الانجاب لما ربنا يريد
_ بس انت قولت مش عايز، انا
وضع اصبعه على شفتيها وفتح ذراعيه لها، وقال بصوت دافئ:
_ نامي يا حبيبي.. ولا انزل الشغل
تمسحت بصدره تهز رأسها بالرفض
_لا.. مش هتنزل، النهاردة كله خاص بيا
قبل رأسها وفرد ذراعيه لتقترب وتستكين بين ذراعيه، ثم تعلّقت بعنقه بنظرةٍ صامتة، تلك النظرة التي لا تطلب شيئًا سوى القرب. اقتربت منه أكثر، فشعر أن قلبه يلين، وأن كل ما فيه يهدأ.
لم تكن هناك كلمات بعدها، فقط صمتٌ ممتلئ، وأنفاسٌ متقاربة، ودفءٌ يتسلل بينهما بهدوء.
تهاوت كل حصونه، ليسحبها معه إلى عالمهما الخاص… عالم لا يعرف الوقت، فقط نبضين يتداخلان.
كانت بين ذراعيه كفراشةٍ وجدت أخيرًا دفء الزهرة التي خُلقت لها، بينما هو أغلق عينيه، مستسلمًا لعشق يعرف أنه مهما حاول الهروب منه… سيعود إليه دائمًا.
كان يحتضنها وكأن العالم خارج هذا السرير لا يعنيه، وكانت هي تشعر أن المكان الوحيد الآمن… هو صدره.
بعد عدة ساعات خرجت تعانق كفيه، توقفت الخادمة امامهما:
_الفطار برة ياباشا
اومأ برأسه وتحرك للخارج، بينما استدارت الخادمة، فتوقفت أمامها زهرة، اشارت الى المطبخ
_روحي اعملي قهوتهم وحضريها، وانا هخرجها، واياكي تخرجي برة المطبخ دا
_ياسلام.. ومين هيعمل كده إن شاء الله؟
_والله هقول للمدام، وده آخر تحذير.
قالتها الخادمة بنبرة حاسمة ثم انسحبت، بينما ضربت زهرة الأرض بقدمها في غيظٍ مكتوم.
في الخارج جلست جواره، وضعت الطعام أمامه بحرصٍ، ثم قالت بصوت خافت:
_امبارح قلقت عليك، وكلمت بلال… كان جاي، بس بعدين اعتذر وقالّي إن رولا وقعت في الحمام.
رفع عينيه إليها فجأة، نظرة تحمل شيء من القلق :
_يعني إيه وقعت؟ اتجرحت؟
هزّت كتفيها بجهل، وقالت بصدقٍ :
_مافكرتش في حاجة يا يوسف غير إني أطمن عليك وبس.
زفر بضيق وأدار وجهه قليلًا:
_هو أنا طفل؟ وليه تقلقيهم أصلاً؟
مدّت يدها فوق يده، ضغطت عليها كأنها تستمد منها الأمان:
_إنت ماكنتش شايف نفسك عامل إزاي… أنا كنت هموت من الخوف، حسّيت حياتي كلها بتضيع.
ابتعد بنظره عنها، شعر بذلك الإحساس الخانق يلتف حول صدره… ذلك الإحساس القاتل حين تحاول أن تتنفس وأنت متيقن أن أنفاسك توشك على التوقف.
أدارَت وجهه بيديها لتُغرقه في عينيه التائهتين:
_إنت مخبّي عليّ حاجة؟
طالعها بصمتٍ طويل… قلبه يصرخ، يتوسل أن يبوح، أن يلقي بحِمله الثقيل عند قدميها.
لا تعلم أنه يغرق في أحزانٍ تشبه الرماد، تحرق بلا لهب، تخنق بلا صوت.
لكنه قرر… يجب أن يسعدها، حتى لو كان الثمن أن ينكسر وحده.
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيه، رفع كفيها وقبّلهما بحنانٍ موجع:
_عايزك دايمًا سعيدة… وموضوع الأطفال اديني وقت يا ضي، أنا مش مستعد.
قطّبت جبينها بخوفٍ تسلل لقلبها:
_يعني إيه؟ هو إنت اللي مأجله…؟
قاطع كلماتها رنين الهاتف، فانتفض كأن المكالمة طوق نجاة أُنزل عليه في اللحظة الأخيرة، هربًا من اعترافٍ كان سيقتلهما معًا.
_أيوة يا بابا.
_إنت فين؟
_في البيت…
_عدّي عليّ ضروري.
نظر إلى ساعته ثم قال بصوتٍ حاول أن يجعله ثابتًا:
_دلوقتي.
_أيوة… ضروري. سيب كل اللي في إيدك وتعالى لي.
_حاضر.
توقفت خلفه، تساءلت بقلقٍ لم تستطع إخفاءه:
_فيه إيه؟ وعمو ماله؟
_مش عارف… صوته كان حزين. هروح أشوفه.
أمسكت كفيه فجأة، تحدثت بنبرة غاضبة تخفي خوفها:
_افطر الأول… الدنيا مش هتطير.
_أكلت.
أشارت إلى المقعد بعينيها في إصرارٍ صامت، فجلس دون حديث، يعرف عنادها جيدًا ولا يملك له مفرًا.
مرت دقائق ثقيلة وهو يتناول طعامه جوارها في صمتٍ مشبعٍ بالقلق، حتى ظهرت زهرة تحمل القهوة.
اتجهت إليه مبتسمة بخفوت:
_قهوتك يا دكتور.
أشار إلى ضي بنظرة سريعة:
_هشربها مع بابا… هتيجي معايا ولا هتفضلي؟
_روح إنت… هغيّر لسه، شوية وجاية.
بعد دقائق، كان جالسًا أمام والده في مكتبه.
الصمت بينهما كان أثقل من أي كلام.
_يعني إيه؟
تنهد الياس، ومرر يده على جبينه وكأن الكلمات تؤلمه قبل أن تُقال:
_هو حجز وهيسافر النهارده. مينفعش نسيب عمتك لوحدها، وجدك عنده مراجعة مع الدكتور، ولازم حد يكون معاه. وكمان أختك داخلة على امتحانات… شوف بقى، هتسافر مع عمتك ولا هتفضل مع جدك، بس لازم تروح تقعد معاه كام يوم هناك.
خفض يوسف عينيه، وقال بهدوءٍ متحفظ:
_مش موضوع أقعد معاه يا بابا… المشكلة في الشغل.
فكر للحظات، ثم رفع رأسه بحسمٍ بدا وكأنه قرار يُنقذه من صراع داخلي:
_هسافر أنا مع عمتي، وإنت خليك مع جدو. وبعدين أنا كنت ناوي أسافر الأسبوع الجاي يوم ولا حاجة.
تفرّس إلياس في وجهه طويلًا، ثم سأله بقلقٍ أبوي:
_فيه حاجة؟
هز رأسه نافيًا، صوته خرج متماسكًا على غير الحقيقة:
_حاجة تخص شغلي.
زفر الأب ببطء، كأنه استسلم:
_خلاص… سافر مع عمتك، واعمل اللي إنت عايزه. وأنا أخلص مع جدك، تكون شمس خلصت، وأجيلكم هناك.
تردد يوسف قليلًا قبل أن يسأل:
_طيب… فريدة كويسة؟ فيه نجاح للعلاج؟
ليه مش عايز يعالجها هنا غلطان… مستشفى 57357 كويسة جدًا.
ابتسم إلياس ابتسامة حزينة، وقال بصوتٍ مكسور:
_يا حبيبي… هو أبوها، وأولى بيها. محدش هيحس بالألم قده.
القسم الثاني44
خرج يوسف فوجد والدته تهبط درجات السلم، توقف يتابعها، ابتسامتها الحنون وهي تتجه اليه، اتخذ قراره بأنها الوحيدة التي ستساعده، فتوجه إليها بابتسامة حاول أن يُخفي بها ما ينهشه من الداخل.
_صباح الخير يا ستّ الكل.
بادَلَته بابتسامة دافئة:
_صباح النور يا حبيبي… بابا في المكتب.
أومأ لها، ثم سحب كفيها برفقٍ وتحرك بها نحو غرفة المعيشة.
عقدت حاجبيها، وقالت بقلقٍ بدأ يتسلل لقلبها:
_فيه حاجة ولا إيه؟
_عايز اشرب القهوة معاكي، طعمها وحش مع الياس
رفعت حاجبها بترفع حلو:
_من امتى يابن الياس، دا انت وابوك عاملين زي الست وجوزها
ضحك يوسف بصوت مرتفع متناسيًا مايشعر به
_بتغيري ياميرال، طيب بذمتك فيه حد يغير من الست وجوزها، دا لو الياس سمعك مش عارف هيعمل ايه
ابتسمت وجلست تشير اليه
_اقعد وبطل شغل ابوك دا وقولي عايز ايه
صمت يطالعها بنظرات تنطق بالكثير، ثم قال
_عايزأتكلم معاكي في موضوع مهم.
انتفض قلبها بخوفٍ غريزي، وعيناها لا تفارقانه:
_فيه إيه؟
تنفّس بعمق، وتغيرت حالته كليًا، كأنه يجمع شتات نفسه:
_عايزك تتكلمي مع ضي في موضوع.
قطبت حاجبيها أكثر:
_موضوع إيه؟
ابتعد بنظره، وصوته خرج محمّلًا بحزنٍ ثقيل:
_ماما… لو بتحبيني، اقنعيها تأجّل موضوع الأطفال دلوقتي.
توسعت عيناها، ولمعتا بالدموع في لحظة واحدة:
_ليه يا يوسف؟ ليه مش عايز تفرّحني بابنك؟
أغمض عينيه، وجزّ على شفتيه بقهر.
كان يريد أن يحكي… أن ينهار، أن يبكي بين ذراعيها كأنه طفلًا، لكنه لم يعد يملك رفاهية الضعف.
_ماما، أنا مش جاهز يبقى عندي أطفال دلوقتي… وهي مُصِرّة. مش عايز الموضوع يكبر بينا.. مش عايز ازعلها
اقتربت منه أكثر، وقالت بصوت مرتعش:
_وليه يا ابني ده كله؟ ولو إنت مش عايز… أنا نفسي أشيل ولادك. ده أنا بنام وبحلم باليوم ده.
هز رأسه ببطء، وقال بنبرة مكسورة لا تُخطئها أذن:
_مش عايز دلوقتي يا ماما…
ثم تابع بصوتٍ منخفض، وكأنه يستجديها:
_وأتمنى بابا ما يعرفش إني طلبت منك حاجة…
رفع عينيه إليها، يحاول ألا تنكشف دموعه أمامها:
_أتمنى محدش يعرف إني طلبت منك تقنعيها.
مدّت يديها، واحتضنت وجهه بين كفيها، وتطلعت في عينيه بعمق أمٍّ لا تخطئ حدسها:
_إنت مخبّي عليّ حاجة.
هزّ رأسه نافيًا، لكن عينيه خانتاه ولمعتا بالدموع.
سحبته إلى أحضانها بقوة، وانسابت دموعها وهي تهمس:
_والله مخبّي يا ابن إلياس… ومتأكدة من كده.. انت لسة خايف يايوسف من الماضي
أغمض عينيه وهو بين ذراعيها.
رغم كل ما يعصف بقلبه من ألم، ذاب وجعه في حضنها…وكيف لا؟
وحضن الأم وحده، قادر أن يُسكت الألم ولو إلى حين.
نعم قرائي، فالأم تعرف وجع أبنائها قبل أن يبوحوا، قبل أن تنطق شفاههم، قبل أن يهتز صدرهم.
قلبها يشدّ على ألمهم كما يشدّ الحديد على النار… لا يُكسر، لكنه يحترق معهم.،
هل ينكر احدكم ان في حضن الأم، يتنفس الصغير والكبير، يشعر أن العالم كلّه قد تخلى عنه، إلا هي.
ففيه، تتوقف الحياة عن قسوتها، وينكسر الخوف على كتف يضمنه الحنان، ويتراجع الألم خطوة للخلف، ولو للحظة قصيرة.
تأكدن عزيزاتي ان الأحضان الأمومية ليست مجرد دفء فقط…بل إنها سلاح ضد الوحدة، ضد الألم، ضد كل ما يحاول قلب الإنسان أن يتحمله وحده.
وحين يغوص الابن في حضن أمه، يذوب العالم من حوله، ويصبح الألم مجرد وهم، والخوف مجرد ذكرى…
ويبقى الحنان هو الحقيقة الوحيدة التي لا تخون.
تمدد على الأريكة، رفعت كفيها تمسد على خصلاته بحنانٍ أُمومي، تغمره طمأنينة
اعتدل فجأة على صوت ضي، التي وقفت عند المدخل، عاقدة ذراعيها وملامحها لا تخلو من الغيرة
_ والله يعني حضرتك جاي هنا تتدلع مع الست ماما، وأنا رُحت فين بقى؟
ضحكت ميرال وهي تشير إليها بيدها
_ تعالي يا غلباوية… إنتِ يا بت بتغيري مني؟
رفعت ذقنها بتحدٍ مصطنع.
_ أيوه طبعًا! هو دلوقتي ملكي أنا يا ست ميرال، ولو فكرتي تعملي حِمَى عليّا، صدقيني مش هتقدري.
ضحك على زوجته، لكنه توقف على رنين هاتفه.
_ باباكي بيتصل… هشوفه وراجع.
تأففت وهي تزفر بضيق.
_ وبعدين بقى؟ هما مستقصديني ولا إيه؟ مرة أبوك ومرة أبويا!
_ مالِك يا بت؟ ما تتلمي على الصبح!
قالها إلياس وهو يقف عند عتبة الباب، ثم التفت إلى يوسف بنبرة ساخرة:
_ شوف عمك عايز إيه، وسيبك من الهبلة دي.
رفعت حاجبها وهي تشير إلى نفسها بدهشة مصطنعة.
_ أنا هبلة يا عمو إلياس؟!
اقترب منها وضمها تحت ذراعيه.
_ يا عبيطة، بقولك اتقلي شوية عليه… ما تخلّهوش يتغر.
نظرت إلى يوسف بعينين لامعتين، وقالت بمكرٍ لطيف:
_ أنا عاجبني نفسي… وهو عاجبه كمان، مش كده يا جو؟
هز رأسه بابتسامة خفيفة، ، فتحرك إلياس:
_ هتيجي؟ ولا هتفضل مع الغارقة بعشقك يا أخويا!
ابتسم يوسف، وضمها إليه، طابعًا قبلة هادئة على جبينها.
_ لازم تفضحينا عند الباشا يعني؟
كانت ميرال تراقبهم بعينين تلمعان سعادة، إلى أن خرج يوسف متجهًا إلى منزل أرسلان.
أوقفه إلياس فجأة، وصوته هذه المرة فقد خفته.
_ كنت تعرف إن بلال اتجوز على بنت عمك؟
تجمدت ملامحه، وكوّر قبضته بقوة، وهمس بصوتٍ خرج محمّلًا بالغضب:
_ أوووه… إزاي ما عملتش حساب يا بلال لابويا وابوك؟
اقترب من والده، وعيناه تشتعلان.
_ بابا، أنا قلت لحضرتك قبل كده… بلال بيحب واحدة، وبلاش نضغط عليه.
تنهد إلياس بقلق، وقال بنبرة مشحونة بالغضب
_ طيب يا أخويا روح لعمك… لسه ما كملش شهرين جواز.
عقلك كان فين يا دكتور؟ وانت عارف اللي عمله ممكن يقلب الدنيا!
بمنزل يزن
جلس الجميع على طاولة الطعام.. كان يراقب صمتها، قطع الصمت يزن
_اسر خد معاك اسيا، خليها تساعدك في المواعيد
_بس إنا عندي سكرتيرة يابابا، يعني مش محتاج
رفعت رأسها الى يزن:
_خالو قولت لحضرتك، انا مش هشتغل
التفت كريم اليها:
_طيب جربي، مش يمكن الشغل يعجبك، اهو تدربي لحد مالكلية تقبل ورقكم
_انا مش موافقة داد، وكمان مش عايزة اشتغل شغل مكتب، انا مفهمش شغله
_جربي يااسيا لو بتحبي خالك
نهضت متأففة.. افكر وارد.. مش عايزة اضطهاد في شغل وفي كلية
قالتها وتحركت للداخل.. قاطعهم دخول بلال ملقيًا تحية الصباح
_صباح الخير.. حماتي بتحبني
توقفت رحيل تشير اليه:
_طبعًا حبيبي.. اقعد هجب لك طبق
هز رأسه بالرفض
_لا.. انا هفطر مع رولا، اتجه بنظره الى يزن وقال:
_عايز حضرتك في موضوع.. لما تفطر
نهض يزن من مكانه وقال:
_رحيل هاتي القهوة على المكتب
بينما توقف كريم
_ايمان هنزل اشوف الاجهزة بتاعة المستشفى وصلت ولا لا، وانتي خلصي مع البنات
_حاضر.. رفعت سدن نظرها لوالدها
_بابي انا مش حابة مصر، عايزة ارجع انا محبش كدا
ارتدى نظارته واشار اليها
_خلصي اكلك وانزلي انتي واختك مع ماما علشان تقدموا في الكلية
هبت من مكانها:
_أنا قولت مش عايزة اقعد هنا
قالتها وتحركت لغرفتها.. خطت ايمان خلفها، إلا أن كريم اوقفها
_لا.. سبيهم، احنا خلاص رجعنا، واللي كنا خايفين منه هناك خلاص انتهى
استدارت اليه:
_خايفة يعاندوا اكتر ياكريم، انا تعبت
اقترب يحتضن رأسها
_حبيبتي.. اهدي، يمكن غلطنا لما اتأخرنا في الرجوع، لكن متأكد هنا كل حاجة هترجع لوضعها، اقنعت انس كمان وخلال كام شهر هيرجع هنا، سفر تاني مش هينفع
اومأت متفاهمة ثم رفعت رأسها إليه:
_يزن قالي خليهم يقربوا من بنات العيلة هيفرق معاهم
_المهم عيونك عليهم، واحسن حاجة تليفوناتهم اللي ضاعت
_تليفوناتهم اللي ضاعت ولا انت اللي اخدتهم
قبل جبينها وغادر المكان.. اقتربت رحيل منها، تربت على كتفيها
_حبيبتي كل حاجة هترجع، عايزة صبر، علشان البنات تتحسن لازم يقربوا من ربنا، لازم يرجعوا يصلوا زي زمان
بكت في احضان رحيل
_تعبت اوي معاهم، ومهما نقول ونعمل مفيش فايدة
ربتت على ظهرها:
_حاسة بيكي، بس صدقيني فترة وهتعدي
بأحد السجون… داخل إحدى غرف الضباط
دلفت إلى المكتب بخطوات مترددة، وما إن وقعت عيناها عليه حتى خانتها قوتها، وانسابت دموعها بصمتٍ موجع.
لأول مرة تشعر بالقهر الحقيقي… لا على ما خسرته، بل على نفسها.
نهض طارق ببطء، يحدق بها بصمتٍ ثقيل، صمتٍ كان أقسى من أي صراخ.
اقتربت منه بساقين مرتعشتين، كأن الأرض تسحبها إلى هاوية لا قاع لها، وهمست بصوت مكسور:
_كنت خايفة… متجيش.
جلس دون أن ينظر إليها، فزاد انكسارها. توقفت أمامه، تحدق بملامحه الجامدة، ثم هزت رأسها بوجعٍ صادق:
_عندك حق… ليك حق تزعل وتاخد على خاطرك.
رفع رأسه ببطء، وعيناه تقدحان قسوة:
_عايزة إيه يا رؤى؟ إنتِ ليكي عين تطلبي تشوفيني؟
جلست أمامه، تفرك كفيها بعصبية، وأسقطت بصرها خجلًا وخزيًا:
_عايزاك تسامحني… أكيد عرفت إني خلاص…
قالتها وهي تنفجر بالبكاء.
ضحك بسخرية جارحة، ضحكة بلا روح:
_والله؟ ومكنتيش عارفة إننا كلنا هنروح في داهية؟ حاولت معاكي… بس إنتِ شيطانة.
مال بجسده نحوها، وقال بصوت منخفض لكنه قاتل:
_ليه؟ نفسي أفهم ليه تعملي فينا كده؟
حدق في عينيها مباشرة، وكأن كلماته خناجر:
_عملت فيكي إيه عشان ترمي عليّا بنت حرام؟ ذنب أختك إيه تحرميها من ابنها وجوزها سنين؟
ذنب أخوكي إيه وانتي بتحاولي تشوهي صورة مراته في عيونه؟
جزّ على أسنانه، وارتفعت أنفاسه بعنف:
_واتهمتيني في مرات أخويا… عايزة حقارة أكتر من كده؟
شهقت، ورفعت رأسها برجاء:
_طارق لو سمحت..
_اخرسي!
قالها بحدة، واقفًا:
_مش عايزك تنطقي اسمي… أنا قرفان إن اسمي بقى مرتبط باسمك.
انهارت، وبكت بنشيجٍ ممزق:
_عارفة… كنت حقيرة. وليكوا حق تكرهوني.
رفعت عينيها الدامعتين:
_بس خلاص يا طارق… هموت.
عايزاكوا تسامحوني.
صمت... صمته كان حكمًا بالإعدام قبل الحكم الحقيقي.
نهضت بسرعة، واقتربت منه، ثم هوت على الأرض تحت قدميه، تمسكت بيده وكأنها تتشبث بالحياة:
_وحياة ابنك يا طارق… سامحني.
بكت أكثر، وصوتها يتوسل:
_وخلي ميرال تيجي… عايزة أشوفها.
وحياة ابنك هاتلي ميرال… أنا طلبت من إلياس ورفض.
رفعت رأسها برجاء يائس:
_عايزة يزن وميرال… لازم أشوفهم قبل تنفيذ الحكم.
نهض من مكانه يطالعها بعينين متعبتين، وقلبٍ يتآكل وجعًا رغم كل ما حاول إنكاره.
_هقولها يا رؤى…
تنهّد بعمق
_بس مش أوعدك إنها هتيجي.
نهضت سريعًا، ومسحت دموعها بيدٍ مرتعشة واقتربت منه بتلهف:
_متقولش لإلياس… قولها هي.
رفعت عينيها برجاءٍ يائس:
_وهتيجي، ميرال طيبة… وهتيجي.
هز رأسه ببطء:
_هقولها.. فجأة أمسكت بذراعيه بقوة، كأنها تتشبث بآخر فرصة للتكفير:
_تُقى عايزة تقتلك علشان تورثك!
قالتها بلهفة مذعورة:
_خلي بالك من نفسك… وخلي بالك من ابنك. لازم تطلقها، جوازها منك علشان الورث.
زمّ شفتيه، ونبرته خرجت باردة تخفي إعصارًا:
_كنت متوقع…
رفع عينيه بقسوة:
_فين الحيوانة دي؟
_معرفش… مشفتهاش من أسبوع.
ترددت ثم أضافت بخوف:
_بس هي بتخطط لكده، وخلي إلياس يتأكد من الخدم عنده.
خفضت صوتها:
_معرفش بتخطط لإيه… بس متأكدة إنها تعرف حد جوّه، لأنها عارفة كل حاجة.
_ودي مالها ومالنا؟
نظر إليها بريبة:
_تقرب مننا ليه؟
صمتت… أطرقت برأسها تنظر إلى الأرض، والعار يكسو ملامحها.
أومأ متفهمًا، وصوته اصبح أثقل:
_ورّطتيها مع الحيوانات اللي عرفتيهم عن طريق رانيا… صح؟
اقترب منها خطوة، يكور قبضته حتى ابيضّت مفاصله:
_مش عارف أقولك إيه…
هتف بصوت منكسر رغم حدته:
_إيه الكره اللي جوا قلبك ده؟ ليه؟
نظر إليها بوجع:
_عملوا فيكي إيه علشان تبقي كده؟
بكت بصمت… بلا صوت، بلا دفاع.
دار في المكتب كوحشٍ حبيس، ثم توقف فجأة:
_عايزين ينتقموا من مين؟
رفعت رأسها ببطء، وعيناها حمراوان:
_مقالتش…
ابتلعت ريقها:
_بس اللي فهمته… أرسلان.
جزّ بأسنانه، وضرب قبضته بكفّه:
_آه… حيوانة!. صاح بغضبٍ مكتوم:
_عرفتيهم أسرار العيلة!
نظر إليها نظرة احتقارٍ موجعة:
_إنتِ الموت مش كفاية لعذابك…
ثم قالها من قلب محترق:
_ربنا ينتقم منك.
استدار وخرج، وخطواته تأكل الأرض، بينما ظلت هي جاثية في مكانها…
تنتظر حكمًا لا مفرّ منه.
بمنزل مالك
كانت غادة جاثية على فراش ابنتها، عيناها تلمعان بالدموع ولم تجف منذ علمها بمرضها. مسدت فريدة على خصلات شعرها بحنان، كأنها تحاول أن تنقل لها بعض القوة:
_غادة حبيبتي… سيبي البنت، إن شاء الله هتكون كويسة.
هزت رأسها بعنف، وارتفع بكاؤها مرة أخرى:
_محدش هياخد مني بنتي ياماما!
ضمَّتها فريدة بين ذراعيها، تحاول أن تهدئها، وفي عينها كان مزيج من الحزن والألم.. ثم أشارت إلى مالك:
_تعالى حبيبي، خد البنت علشان التحليل.
تشبثت غادة بكف ابنتها الصغير، تخشى أن تبتعد عنها ثانية، وقالت بصوت مرتجف:
_بنتي… ياماما…
تنهدت فريدة بعمق، وضمَّت غادة:
_فين ايمانك بربنا ياغادة؟ كدا… ينفع كدا؟ دا قضاء وقدر، ولازم نؤمن بيه… انا متأكدة إن شاء الله البنت هتبقى كويسة.
تذكرت غادة كلمات الطبيب، لكنها لم تستطع أن تمنع قلبها من الخوف. كان الألم يختلط بالحب، والخوف بالمقاومة، في لحظة صمت ثقيلة، احتضنت فريدة ابنتها كأنها تحميها من كل العالم، بينما ارتعشت غادة، بين دموعها وأملها، تتشبث بصوت أمها… بصوت الأمان.. وكلمات الطبيب ترنو كعاصفة قاتلة
_بصوا… اللي عند بنتكم اسمه سرطان الدم، أو اللوكيميا، وده معناه إن نخاع العظم بدأ يكوّن خلايا دم بيضا مش سليمة.»
توقف لحظة، ثم تابع بلطف:
«بس خلّيني أطمنكم… إحنا اكتشفناه بدري جدًا، وده فرق كبير في العلاج ونِسب الشفاء.»
ثم قال بنبرة عملية:
«في المرحلة دي، الخلايا السرطانية لسه محدودة، ومفيش مضاعفات خطيرة. الطفلة محتاجة خطة علاج منتظمة، متابعة دقيقة، والتزام كامل بالعلاج.»
رفع نظره إليهم بثبات:
_العلاج هيبدأ غالبًا بعلاج كيماوي بجرعات محسوبة تناسب سنها، ومع الاستجابة الجيدة، نسبة الشفاء بتكون عالية جدًا بإذن الله.
ثم مال قليلًا للأمام، وقال بصوت هادئ:
_الموضوع مش سهل نفسيًا، بس الأطفال أقوى مما نتخيل، ومع الدعم والحب، بنتكم عندها فرصة كبيرة إنها ترجع طفلة طبيعية وتعيش حياتها بالكامل.
أنهى كلامه بابتسامة مطمئنة:
_أهم حاجة دلوقتي الهدوء، الالتزام، والثقة… وإحنا معاكم خطوة بخطوة.
بمنزل كارما
استمعت كندا إلى جرس الباب، أوقفتها كارما:
_شوفي مين من العين السحرية.
أومأت كندا، نظرت مليًا ثم هزت كتفها:
_اتنين رجالة معرفهمش.
صمتت للحظة ثم قالت:
_على ما أظن أبو الدكتور.
توسعت عيناها، وركضت للداخل، رفعت هاتفها تتصل به، كان يصعد إلى منزله:
_دكتور… باباك بره على الباب.
توقف فجأة:
_بابا… بيعمل إيه عندك؟
لم يكمل حديثه، ليستمع الى صوت إلياس:
_بلال… تعالى، عايزك.
أومأ له ثم اخبرها:
_طيب… شوفيه عايز إيه، متتكلميش معاه في حاجة لحد ما أجي.
استدار بلال نحو إلياس، الذي كان يقف بجانب سيارته يدخن سجائره، اقترب منه مرتبكًا:
_نعم ياعمو؟
اعتدل الياس، وعيناه تخترقان نظره:
_سؤال وعايز إجابة صريحة…
_ليه اتجوزت على مراتك في شهر عسلها يا ابن أرسلان؟
فتح بلال فمه للرد، لكن الياس أوقفه بحزم:
_حتى لو كنت متجوز رولا إنقاذ موقف، انت ضربت العيلة في الأرض.
اقترب الياس، يضغط على ذراعيه بقسوة، يريد أن يلطمه بقوة:
_الموقف الرجولي اللي عملته يا ابن أرسلان… شايفه دلوقتي تحت جذمتي.
ضغط أكثر، وصوته صار أقرب للصراخ:
_مفكرتش فينا يلا؟ مفكرتش في البت البريئة لما تعرف هتعمل إيه؟ مفكرتش في عمك؟ يعني قولت مش عايز أشوفه مكسور، وأنت أول من كسره… يا حيوان!
حاول بلال الكلام:
_عمه… اسمعني…
قاطعه الياس بغضب:
_مش عايز أسمع نفسك! قرفان منك! فيه راجل محترم يروح يتجوز على مراته بعد شهر من جوازه؟ إيه الحب مولع في صدرك… ياحيوان!
صمت بلال، ونزل ببصره نحو الأرض.
هزه الياس بعنف، يغصه بالغضب:
_ارفع راسك وواجهني يلا…
_لما أنت مش قادر تبعد عن واحدة مطلقة، ياريتها بنت كمان!
غرس الياس عينه بأعين بلال، يلكزه بقوة في صدره:
_تاخد بواقي غيرك يامتخلف! ازاي هيجيلك قلب تبقى مع واحدة، كانت مع غيرك قبل كده… انت فين عقلك يا ابن أرسلان؟ حتة بنت عرفت تاكل عقلك، وزعلان إنك مرتبط ببنت عمك علشان مغتصبة!
تراجع قليلاً، وصوته صار أهدأ لكنه مليء باللوم:
_مش عايز المحك قدامي… والله والله، لولا البنت لسة عروسة، لكنت طلقتها منك… علشان مش عايزين تضحياتك يا دكتور.. قالها إلياس بغضب وتحرك للمغادرة إلا انه توقف على كلمات بلال الذي قال بصوت مكسور:
_محبتش قد رولا في حياتي… ورغم إنها رفضتني بدل المرة مرتين… لكن جوازي منها مكنش إنقاذ موقف، ولا علشان انكسار عمو يزن زي ماقولت
استدار الياس يطالعه بصدمة، ثم تابع بلال، وصوته يصرخ بحقيقة مؤلمة:
صمت لحظة، يبتلع دمعة، ثم أكمل بصوت مكسور:
طليقها عملها قضية شرف… وكان مصورنا… وانا… أنا كتبت عليها بعقد عرفي عشان أخرجها من الكابوس دا… حتى رفضت تكون جواز حقيقي… محبتش اسمي يرتبط غير بالبنت اللي حبتها.
عض على شفتيه بقوة، عينه تلمع بالأسى:
حاسس… حاسس إني خنت كل حاجة… حاسس إني ظلمت رولا
ارتفعت حدة صدمة الياس
_ليه يوسف قالي انك بتحب واحدة، بتلعبوا بيا
رفع عيناه واجاب بقلب محطم
_يوسف ميعرفش حاجة… هو كان عايزني أتمم جوازي برولا… عايز حياتنا تبقى طبيعية… أنا كنت مضطر أقنعه بكده… وأنا عارف كل ثانية كنت بخدع نفسي… كل ثانية كنت أعذب قلبي.. محدش حاسس بالنار اللي جوايا
أزال دمعة هاربة تسللت من عينه:
عارف يا عمو… الرفض من الشخص اللي بتحبه… موجع أوي… وموجع أكتر لما تعرف إنك مش قادر تبعد… ومش قادر تقرب…بتأذيه من غير ماتحس، وفي نفس الوقت تتمنى انك اللي تتأذي علشان ماتفوش يتألم
تنهد ببطء، وأصبح صوته أهدأ لكنه مشحون بالمرارة:
_أنا… كنت رافض جوزنا في الأول… بس مش علشان قلبي مش حاببها… لأ… دا علشان هي رفضتني…خوفت اضعف قدامها، زي مابيحصل دلوقتي، بس مقدرتش اشوف حالة عمو يزن كدا واسكت، مقدرتش اشوفها بتتألم وادافع عن كرامتي، صعب انك تشوف حب حياتك بيضيع وانت واقف تتفرج، يوم ماانتحرت حسيت انا اللي بموت مش هي، بس انا راجل، قولي انت وانصحني لو مكاني هتعمل ايه، هدافع على كرامتك ولا قلبك اللي هي داست عليه بدون رحمة
أزال دمعة ثانية، وكأنها تحمل كل الألم اللي تراكم سنين:
_احنا اتربينا نكون رجالة ياعمو… بس محدش علمنا إزاي نواجه الألم من غير ما نأذي اللي بنحبهم… أنا كل اللي بعمله دلوقتي بأذيها وبأذي نفسي قبلها… ممكن اكون انقذتها وانقذت عمو يزن، بس كل اللي عملته كسرني من جوا، مبقتش عارف مشاعري، هل شفقة ولا حب
صمت للحظة وصوته صار خافت، كأن الاعتراف أخفف عنه الحمل ولو قليل:
_موضوع كارما… كأنه ما حصلش… أنا شفت حياتها بتضيع، قلبي وجعني عليها البنت بريئة وطيبة غير انها يتيمة، لو حضرتك تقدر تحميها، إن محدش يقربلها… أوعدك مش هقربلها… صعبانة عليا… أوي…
بمنزل كارما…
توقفت أمام أرسلان، تفرك كفيها بارتباك، وصوتها خافت:
_حضرتك تشرب إيه؟
نظر إليها أرسلان بغضب، لكنه كتمه، وقال بصوت متصلب:
_ولا حاجة… اقعدي يا بنتي، عايز أتكلم معاكي.
ابتسم يوسف بتحايل، محاولًا تخفيف التوتر:
_بس أنا عايز أشرب قهوة… لو مش هتتعبك.
رمقه أرسلان بعينين قاسيّتين، ثم ابتسم ابتسامة غريبة، تحركت لتجهز القهوة:
_حاضر… خمس دقايق.
انحنى أرسلان قليلًا نحوه، وقال بصوتًا خافتًا لكنه مليء بالغضب المكبوت:
_قهوة إيه يا يالا؟ بتخطط لإيه؟
تنهد يوسف :
_عندي صداع، وبنتك لسه نايمة، ومفطرتش ولا شربت قهوتي… يرضيك أصدع أكتر؟
ابتسم أرسلان بسخرية خفية:
_طيب… ما تقولها يا أخويا تجيبلك فطار بالمرة؟
هز رأسه يوسف ببرود:
_لا… مبحبش آكل من غير إيد مراتي.
ضحك أرسلان بخفة غاضبة:
_صيع علي يا حيوان… على أساس إن مراتك بتوقف في المطبخ؟
ابتسم يوسف بسخرية:
_الخطة الجاية إن شاء الله، حضرتك جايبني من الفجر عشان تعرفني… بنتك الفاشلة ما بتدخلش المطبخ.
وصلت تضع القهوة
حمحم يوسف، أخذ القهوة، توقف عن الكلام، وارتشف ببطء، وقال بصوت هادئ …
_تسلم ايدك.. شعر أرسلان بالغضب يزداد.. فالتفت اقترب من الطاولة:
_بصي يا بنتي… أنا مش هلف وادور عليكي.
قاطعه يوسف بابتسامة متوترة:
_آسف… بس القهوة ناقصة سكر.
توقفت فجأة، وصوتها يختنق:
_آسفة… بس بلال قالي إنك بتشربها سادة.
رد يوسف وهو يكظم غيظه:
_كنت… بس دلوقتي بشربها بسكر.
تحركت متجهة إلى المطبخ، لكن لكزه أرسلان بعصبية:
_انت عايز إيه يا لا؟
أحضرت القهوة مرة أخرى ووضعته على الطاولة، في اللحظة نفسها ارتفع صوت جرس الباب. تنهد يوسف بارتياح:
_الحمد لله.
دلف بلال، ينظر إلى والده ويوسف بعينين متفحمتين بالدهشة:
_انتوا بتعملوا إيه هنا؟
بعد فترة عاد الى منزله، دلف سريعًا فلقد تركها منذ اكثر من ساعتين، دلف الى غرفتها
_رولا.. تمتم بها، فتوقف متجمد وهو يراها تبدل ثيابها، وضعت المنشفة فوق جسدها تشهق بفزع
_رفع كفيه اليها معتذرا
_اسف.. قالها وخرج...
بالخارج، دلف إلى غرفته، يستغفر ربه
استقبلته رائحتها فورًا، فشدّ حاجبيه، وحدّث نفسه باضطراب:
_هي كانت هنا؟… ولا أنا اللي لسه شايل ريحتها من عندها؟
نزع قميصه، رفعه إلى أنفه كالغريق، استنشق عبيرها بلهفةٍ خجولة، ثم ألقاه بإهمالٍ مصطنع واتجه إلى الفراش.
ارتفع نبض قلبه فجأة وهو يرى أثر جلوسها فوق فراشه، علامة صغيرة أشعلت كل ما حاول إخماده.
وقعت عيناه على أحد أقراطها.
سحبه بين أصابعه، تأمله، فارتسمت ابتسامة عاشقة موجوعة على ملامحه:
_دا كله حلق… مجنونة… بس بعشقها.
وضعه فوق الكومودينو بعنايةٍ، كأنه يضع قطعة من قلبه، ثم دخل الحمام دقائق قليلة.
خرج، ارتدى ثيابه ببطء، وعاد إلى الفراش…
لكن النوم لم يأتِ.
جاءت هي بدلًا عنه...
جلست تمسد خصلاته وهو بين أحضانها، أناملها هادئة، دافئة، كأنها تطمئنه دون كلمات. انحنت تطبع قبلة خفيفة فوق شفتيه، هامسة بعشقها، ثم امتدت يدها إلى زر قميصه بتردد مشوب برجاء.
_بلال… عايزة نكمل جوازنا…
هبّ من نومه كمن طُعن، أنفاسه تعالت حتى كاد يختنق. عينيه اتسعتا بذعرٍ لا يفهمه، فالتقط كوب المياه بيد مرتجفة، ثم نزل من فوق الفراش سريعًا، كأنه يهرب من نفسه.
اتجه إلى المطبخ، يسحب زجاجة المياه بعجلة… ومع دخولها في التوقيت ذاته، استدار ليغادر، فتعلقت عيناه بها عند الباب.
اقتربت من الثلاجة دون أن تعيره اهتمامًا، بينما ذاكرته خانته؛
همسها… قبلاتها… رقة حنانها في الحلم الذي سرق نومه وزلزل كيانه.
فاق على صوتها:
_إنت كويس؟
كان السؤال كالقشة التي قصمت ظهر احتماله. استدار يتفحصها بعين الحبيب العاجز، عينٍ تعرف وتخاف في آن. اقتربت خطوة حين لاحظت شروده بها.
رفع الزجاجة إلى فمه كمن يتشبث بطوق نجاة، لكن حالته لم تشفع له… أمسكت ذراعه.
_بلال، فيه حاجة؟
انتزع ذراعه بعنف، ألقى الزجاجة، وتحرك مسرعًا نحو غرفته، هاربًا قبل أن تتحول إلى مضغة بين ذراعيه.
عقدت حاجبيها بعبوس موجوع.
_عامل زعلان كمان… مش كفاية سابني لوحدي
تنهدت بعمق، كأنها تقنع نفسها بالهدوء.
تحركت خلفه بخطوات مترددة، دفعت الباب بهدوء واقتربت.
_عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم.
رفع رأسه إليها ببطء، ملامحه كانت مرهقة حد الانكسار، عينان غارقتان في حلمه، فقال بصوتًا خرج مثقلًا:
_رولا… مش دلوقتي… عايز أنام.
لكن عينيه خانتاه، انزلقتا دون وعي إلى ساقيها، فتوقف للحظة:
_ركبتك عاملة إيه؟
ابتسمت ابتسامة موجوعة:
_يهمك؟
رفع عينيه الضائعتين إليها، وهمس كأنه يكشف سرًا يخشاه:
_مفيش حد يهمني غيرك؟
هنا جلست بجواره، واقتربت أكثر مما ينبغي، وتعلقت بذراعيه.
_عارفة ومتأكدة من دا، قولي مالك؟… وكنت فين؟
رائحتها باغتته، تسللت إلى صدره دون استئذان، فانتفض قلبه بنبضٍ عنيف، كأن جسده يثور عليه. عيناه راحتا تتجولان على ملامحها بشراهة موجوعة، وحلمه واقف أمامه حيًّا… نابضًا.. يتذكر كل مابه
تعانقت العيون في حديثٍ عجز اللسان عن قوله، صمتٌ مشحون بكل ما لم يُقال.
ارتجفت شفتيها تحت نظراته، أدركت معناها قبل أن ينطقها. لم ترحمه… رفعت أناملها، وخطّت بها على وجهه ببطء، على ملامحه التي أغرقتها في عشقه حد الجحيم.
أغمض عينيه على لمستها
همست بصوتٍ مرتعش:
بلال… انت فعلًا هتطلقني؟
فتح عينيه فجأة، واصطدمت بعينيها،
_انتِ عايزة ايه
وضعت رأسها على كتفه دون ان تنطق، لف ذراعيه حول جسدها، ورفع ذقنها بكفه الاخر
لم يفعل شيئًا سوى أن اقترب… اقترب حتى شعر بأنه يتنفسها، يتشربها.
تراقص قلبها بعنف، من فعلته رفعت كفيها ووضعتهما فوق موضع نبضه، لتشعر بدقاته المجنونة، بشوقه، بألمه.
لمعت عيناها بالسعادة، مازال قلبه ينبض لها.. نظرت لعينيه تتمنى أن يقرأ كم انها تعشقه، اقتربا حدّ الخطورة… لحظة غاب فيها العقل، وسقطت كل الجدران، فاحتضن ثغرها في قبلة شغوفة، قبلة كأنها تعيد الروح لجسد دُفن حيًّا.
تشبثت به، رفعت ذراعيها تعانق رقبته، ليضيع الاثنان في غرامٍ يعرف أنه موجع… لكنه مستحيل الفكاك.. ظل يقبلها بلهفة وشوق، متناسين العالم من حولهما، كأن الحياة لم يوجد سواهما
لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا
بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل
متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا
الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا
الرواية كامله الجزء الثاني من هناااااااااا
مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا
مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا


تعليقات
إرسال تعليق