القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الثاني وخمسون 52بقلم سيلا وليد حصريه

 

رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الثاني وخمسون 52بقلم سيلا وليد  حصريه






رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الثاني وخمسون 52بقلم سيلا وليد  حصريه



رواية شظايا قلوب محترقة( الجزء الثاني)((وكانها لى الحياة)) الفصل الثاني وخمسون 52بقلم سيلا وليد  حصريه



الفصل الثاني والخمسون


اليوم، لا نبكي على رحيلهم،

بل نبكي على أنفسنا التي تركناها معهم، نبكي على أمانٍ حسبناه ملاذًا، فإذا به يتحول إلى خوف، وعلى ملكيةٍ ظنناها ثابتة، فسقطت… ليصير صاحبها عابرًا مر بجرحنا ومضى.



الموجع ليس أننا افترقنا، بل أننا سنُجبر على التظاهر بأننا لم نلتقِ يومًا



كنا نظن أن "النهاية" كلمة تُكتب في الكتب فقط، ولم ندرك أنها خنجر يغرس ببطء في الوريد. اليوم، تتبخر الوعود، وتغدو الكلمات سرابًا؛ واحدٌ يجر أذيال خيبته بعدما أطلق رصاصته على حلمٍ لم يُكتمل، والآخر يقف على الحافة ذاتها، يرتجف قلمه قبل أن يوقع صك الإعدام على عُمرٍ بأكمله.



ماذا حدث؟

سؤال يرتطم بجدران الصمت ويعود بلا جواب. فالأمس ضباب، واليوم سراب، وغدًا حكاية عجزنا عن إدراكها.



كلماتٌ تفوَّه بها، فكانت كبركانٍ انفجر في صدرها.

رغم أنَّها هي من طلبت الطلاق، لم تكن تعلم أنَّه سيفعلها حقًا.

التقت نظراتهما لثوانٍ، لكنَّها مرَّت عليهما كعقودٍ كاملة.

نظراتٌ تحكي كمَّ الألم الذي ينهش كليهما.

تراجع بلال خطوةً إلى الخلف وغادر المكان سريعًا.

يكفي مايشعر به…يكفي انكسار رجولته أمام الجميع.

تحرَّك يوسف خلفه، بينما تمتمت هي بصوتٍ متهدِّج، بالكاد يُسمع:

_ طلَّقني…

قالتها والدموع تخنق صوتها.

اقتربت رحيل من ابنتها، وعيناها تغرورقان بالدموع، بينما بدأت الهمهمات تعلو من حولهم:

_كيف..ولماذا؟

فجأة…خانتها ساقاها وهوت إلى الأرض، وانفجرت الدموع من عينيها بلا سيطرة.

تحرَّك الجميع، إلَّا رحيل ويزن وميرال.

جلست رحيل بجوار ابنتها، وسحبتها إلى أحضانها..هنا، لم يبقَ سوى صوت البكاء.

ارتفع نشيجها بقوَّة، حتى أنَّ من يراها الآن لا يصدِّق أنَّها هي نفسها التي كانت تصرخ منذ دقائق أمام الجميع.

— آآه…

صرخة خرجت منها وهي تختبئ في حضن والدتها كطفلةٍ تائهة.

اقتربت ميرال وجلست على الجانب الآخر، تمسِّد على ظهرها برفق:

_ اهدي يا حبيبتي…لحظة شيطان، إن شاء الله الأمور ترجع زي ماكانت…بلال بيحبِّك.

عندها..رفعت رأسها فجأة.

كأنَّ كلمات ميرال أيقظت فيها شيئًا آخر…شيئًا أشبه بالتمرُّد.

ابتعدت عن والدتها ونهضت ببطء.

نظرت إلى والدها نظرةً تحمل من المشاعر مالا يُوصف؛ ألم..خذلان..وجع…وغضبٌ لا تعرف كيف تسمِّيه.

كانت تشعر برغبةٍ عارمةٍ في أن تحرق الكون بما فيه.

ركضت نحو منزل والدها، نهضت رحيل خلفها، لكن يزن أوقفها:

_ سِيبها…مش عايز كلمة واحدة.

اقتربت رحيل منه بصدمة، وعيناها ممتلئتانِ بالرجاء:

_ برضو يا يزن، هتفضل سايبها كده لحدِّ إمتى؟ البنت ضاعت، شوف بنتك وصلت لإيه..اتطلَّقت وهيَّ لسه عروسة!

نظر إليها يزن نظرةً باردة تخفي خلفها ألمًا عميقًا:

_ رحيل…هتكدبي الكذبة وتصدَّقيها؟

الجواز من أوِّله كان غلط..حتى بعد ماعرفت إنَّها سليمة..وقبل يكمِّل معاها برغم اللي حصل، بس هيَّ عملت إيه، أنا غلطت…ولازم أصلَّح غلطي.

بنتك لازم تفوق وتعرف غلطها، دي مش عيِّلة…دي كبيرة وواعية، وأنا السبب…لأنِّي دلَّعتها.

_ يزن…

أشار بيده بحسم:

_ قولت مش عايز كلمة.

تدخَّلت ميرال بنبرةٍ حائرة:

_ أنا مش فاهمة حاجة…جواز إيه اللي غلط! هوَّ في إيه؟

تبادلت رحيل النظرات معهم، ثم انسحبت بصمتٍ مثقل.

عند بلال..

اندفع بلال إلى منزل والده كالإعصار، ويوسف خلفه محاولًا اللحاق به، لكن الغضب كان قد أعماه عن رؤية أي شيء.

لم يشعر بمن حوله…لم يسمع صوتًا… كان يسمع فقط صوت الكلمات التي خرجت من فمه منذ قليل، تتردَّد داخل رأسه كصفعاتٍ متتالية:

"إنتِ طالق."

رآه أرسلان على تلك الحالة، فقبض على ذراع يوسف بقلقٍ واضح:

_ في إيه، ماله، وكان فين..ليه محضرش كتب الكتاب؟

أجابه يوسف بصوتٍ مختنق:

_ بعدين يا عمُّو…



لحظات قليلة ودوى صوت التحطيم في أرجاء المنزل.

لم يكن يُحطِّم الأشياء…كان يُفرغ غضبه وآلامه التي تحرق داخله، تحطَّمت الغرفة بالكامل، زجاجٌ يتناثر، قطع أثاث تُقذف، وكلُّ شيءٍ حوله تحوَّل إلى شظايا…كقلبه تمامًا.

ركضت غرام من الدَّاخل، وتوقَّفت عند الباب بصدمة، شهقة حادَّة خرجت منها وهي ترى الغرفة قد صارت خرابًا.

انهار جسده فهوى على الارضية بحالةٍ مزرية بأنفاسٍ متقطِّعة، صدره يعلو ويهبط بعنف، وعيناه حمراوان كأنَّهما تحترقان.

اقتربت منه بحذر، كأنَّها تقترب من شخصٍ لا تعرفه.

نظرت إلى يوسف بقلقٍ مرتجف:

_ حصل إيه؟

ابتلع يوسف ريقه بصعوبة:

_ طلَّق رولا.

وضعت يدها على صدرها بفزع:

_ يا مصيبتي…ليه طلَّقت مراتك في شهر عسلها يا بلال؟

رفع عينيه إليها ببطء، نظرة مرهقة، مكسورة، مليئة بندمٍ لم يستطع إخفائه..

نظرةُ رجاءٍ تصرخ أريد أن أبكي داخل أحضانك ياأمِّي.

اقتربت منه وجلست أمامه:

_ليه يا بني، ليه تخلِّي الشيطان يأثَّر عليك؟

قاطعها يوسف بعدما وجد انهياره بالكامل:

_ طنط غرام، بعد إذنك…مش دلوقتي.

وصلت ضي على كلمات يوسف، توقَّفت عند الباب، نظرت إلى الفوضى، ثم إلى أخيها الجالس كطفلٍ ضائعٍ وسط الركام.

ثم نقلت بصرها إلى والدها.

قالت بهدوءٍ يحمل غضبًا موجعًا:

_ أنا مش هغلَّط رولا لوحدها يا بلال… لأنَّك إنتَ الغلطان الأكبر.

لم يرفع رأسه، ظلَّ كما هو على حاله، اتَّجه يوسف إليها بغضب:

_ ممكن تسكتي وتروحي.

نظرت إلى بلال، ثم أعادت عينيها إليه بثباتٍ أقسى من الصراخ كأنَّها توجِّه إليه الكلام:

_ الستِّ لمَّا تحس بالقهر من شريك حياتها…بتعمل أكتر من كده.

ابتعدت بنظراتها ورفعت صوتها قليلًا، لكنَّه كان يرتجف:

_الوجع والتخبُّط بيعمل أكتر من كدا، مين ترضى إنِّ جوزها يعمل كدا وهيَّ لسة عروسة، غير إنتَ خبِّيت عليها، مفيش حاجة اسمها جواز صوري.. رمقها يوسف بنظرة لم تفهم معناها،  لكنَّها سكتت لأنَّها رأت ملامحه تتغيَّر... اقتربت من أخيها ووضعت كفَّيها على ساقيه، كأنَّها تربت على قلبه:

_اعذرها يا بلال، رولا معذورة وموجوعة، صدَّقني وجع الستِّ من جوزها وإحساسها بالغدر وحش أوي.. إنتَ دبحتها، اتجوِّزت عليها.

رفع عيناه إليها..دمعت عيناها حين

رأت ندمًا قاتلًا يحرقه.

_هوَّ إيه اللي بيحصل، جواز  إيه اللي بتقول عليه ضي؟..قالتها غرام بضياع.

نهضت من مكانها تنظر إلى زوجها:

_إيه اللي بيحصل يا أرسلان؟

_كلُّه يطلع برَّة، سبوني مع بلال شوية.

_عمُّو لو سمحت مش وقت كلام دلوقتي.

_قولت كلُّه يطلع برَّة، لمَّا أشوف ابني بيخطَّط لإيه، اقترب منه ونظر إليه:

_طلَّقت مراتك ليه يا بلال، وليه ماقولتش إنَّك طلَّقت البنت التانية، ليه دمَّرت حياتك.



طالعه يوسف بصدمة:

_بس هوَّ مطلَّقش كارما يا عمُّو، ورولا سقَّطت البيبي.

شهقت غرام تنظر لابنها بضياع:

_إنتَ متجوِّز غير رولا، رد قولِّي، إنتَ متجوِّز على رولا، طيب ليه اتجوِّزتها من الأوَّل؟!

التفتت إلى يوسف:

_رولا سقَّطت البيبي، ولَّا التانية، أنتوا بتقولوا إيه، بلال متجوِّز غير رولا إزاي؟!

التفتت إلى أرسلان:

_ابنك متجوِّز وكنت عارف وخبِّيت عليَّ، طيب ليه، قولِّي يا أبو ولادي!!

نهض بلال من مكانه وتحرَّك للخارج بخطواتٍ مترنِّحة، لا يريد أن يسمع شيئًا، يكفي مايشعر به.

ركضت خلفه ضي:

_بلال اسمعني..لكنَّه استقلَّ سيارته وقادها بسرعةٍ جنونية وخرج من الكمبوند بأكمله.



استدارت عائدةً إلى الداخل بخطواتٍ مرتبكة، حزينة تتخبَّط بسيرها.

في تلك اللحظة، خرج يوسف متَّجهًا إلى منزل والده.

_يوسف.

توقَّف فجأة..كوَّر قبضته بقوَّة حتى ابيضَّت مفاصله..لا يريد أن يُحزنها… ولا يريد أن يفتح جرحًا لا يعرف كيف سيغلقه.

ولا يريد أن يتكلَّم.

اقتربت منه ببطء، وعيناها معلَّقتان به كأنَّهما تطاردانه أينما حاول أن يهرب.

اقتربت تردف بصوتٍ مبحوحٍ من القهر:

ـ ليه رولا قالت الكلام ده؟

التفت إليها، يطالعها بألمٍ اختزل العالم أجمع:

ـ روحي اسأليها.

دنت أكثر، حتى لم يعد بينهما سوى أنفاسٍ متداخلة.


ـ لأ…أنا بسألك إنتَ.

_ليه رولا قالت كده..زفر مبتعدًا بأنظاره.

أمسكت بذراعه تنظر إليه برجاء:



_ليه بتهرب؟

ليه كل ماأصدَّقك في حاجة ترجع تهزِّ ثقتي فيك من جديد؟

أغمض عينيه لحظة، وكأنَّ كلماتها تضغط على صدره حتى يكاد يختنق، فردَّ بنبرةٍ مختنقة:

ـ ماعنديش كلام تاني أقوله…ارحميني بقى، لا ده وقته…ولا مكانه.

تحرَّك محاولًا الإفلات، لكنَّها أوقفته..

توقَّفت أمامه باصرارٍ مختلطٍ بالوجع:

ـ وأنا مش هصدَّقك…غير لمَّا نروح للدكتور.

نظر إليها نظرةً طويلة، باردة من الخارج، مشتعلة من الداخل:


ـ براحتك…تصدَّقي ولَّا لأ… إنتِ حرَّة.

بصق الكلمات..وخرجت كأنَّها شظايا، لا حروف.

شعر لحظتها أنَّها تحرق روحه قبل أن تصل إليها.

دخل إلى الداخل، فوجد الجوَّ مشحونًا، والوجوه متوتِّرة، والأنفاس متلاحقة.

الكل كأنّّه ينتظر انفجارًا وشيكًا.

صاحت فريدة بغضب:

ـ يعني إيه متجوِّز؟

وإيه الكلام اللي مايدخلش عقل ده؟

مرَّ من جوارها دون أن ينظر، كأنَّ الوقوف سيُسقطه..فاستمع إلى حديث إلياس:

ـ ماما لو سمحتي…أنا فيَّ اللي مكفيني،

لازم أشوف أرسلان.

اتَّجهت نظراتها سريعًا إلى ميرال:

ـ كنتِ تعرفي؟

نظرت ميرال إلى إلياس، وعيناها ممتلئتان بمرارة ألمٍ تحاول إخفاءها.

فاجأبتها بوجعٍ ساخر:

ـ هاعرف منين…

ماأنا جوزي بيعتبرني مش من العيلة.



صرخ بانفجار:

ـ بااااس، مش عايز ولا كلمة!

النهاردة كان كتب كتاب البت…اطلعي شوفي بنتك.

ومش عايز كلام عبيط يتقال هنا.

صاحت فريدة بحدَّة:

ـ إلياس! إيه داخل في الكلِّ ليه يا كبير العيلة؟!

إزاي سمحت بحاجة زي دي تحصل؟

ترضاها على بنتك، البنت لسة مكمِّلة شهرين.

ـ ماما…إنتِ مش فاهمة حاجة.

قالها ومشى للخارج بخطواتٍ سريعة، كأنَّه يهرب من نارٍ مشتعلة خلفه.

رمقت فريدة يوسف بنظرةٍ حادَّة، مشحونة بالاتِّهام.


ـ وإنتَ يا دكتور…

كنت تعرف إنِّ ابن عمَّك متجوِّز على بنت عمُّه في شهر عسلها؟

قبل أن يرد، دخلت ضي مسرعة، وقطعت الحديث بصوتٍ مرتجفٍ لكنَّه عالٍ:


ـ تيتا…اسألي الدكتور ليه لسه رافض يجيب أطفال.



أغمض يوسف عينيه.

شعر وكأنَّ الهواء انسحب من صدره دفعةً واحدة..كأنَّ الكلمات لا تُقال… بل تُغرسُ داخله كسكاكين.

اقتربت ضي منه، وانحنت قليلًا لتنظر في وجهه:

ـ رد على جدِّتك يا دكتور…

بلاش تقولِّي "أنا".

قولَّها هيَّ.

قولَّها إنِّي مااستاهلش يبقى عندي أطفال…علشان اتجوِّزتني غصب عنَّك.

كانت كلماتها تسقط عليه كصفعاتٍ متتالية.

لم يحتمل.

هبّ من مكانه فجأة، وخرج دون أن ينطق بحرف.

وقفت ميرال مكانها، تتابع ابنها بنظراتٍ مذبوحة..قلبها يصرخ باسمه، لكن صوتها خانها.

توقَّفت ميرال أمامها وأردفت بألمٍ مكتوم:

ـ ضي، ده وقته؟كفاية موضوع بلال.

طالعتها بعيونٍ منكسرة وقلبٍ يصرخ..

بكت، واقتربت منها كطفلةٍ تبحث عن حضن ينقذها:



ـ أنا موجوعة يا طنط…موجوعة أوي.

لمَّا الستِّ تحس إنِّ جوزها رافض يجيب منها أطفال…بتندبح.

وضعت يدها على صدرها كأنَّ الألم يسكن هناك:

ـ قلبي واجعني، ذنبي إيه، علشان حبِّيته؟

رفعت عينيها الغارقتين بالدموع:

ـ أنا بحبِّه أوي…

ونفسي يحسِّ بيَّا..نفسي يحبِّني زي مابحبُّه.



شعرت ميرال بوخزة ألمٍ حادَّة في قلبها على فلذة كبدها، كانت تعلم جيِّدًا أنَّه يخفي أمرًا ما…أمرًا ينهشه من الداخل في صمت.

مسحت دموعها سريعًا، واحتضنت وجه ضي بين كفَّيها بحنانٍ مرتجف:

_ حبيبتي، مش اتكلِّمنا في الموضوع ده، وقلنا نصبر شوية…ليه رجعتي تفتحيه تاني؟

تنهَّدت وهي تلتفت نحو فريدة، تابعت حديثها بنبرةٍ ممزوجةٍ بالحزن والألم:

_ جوزِك بيحبِّك، ادِّيله وقت يا بنتي. يوسف كتوم ومش هيقول اللي جوَّاه بسهولة.

ابتعدت ضي عن أحضانها وقد لمعت عيناها بعنادٍ موجوع:

_ أنا اللي أعرفه إنِّ مفيش راجل بيحبِّ مراته وعايز يكمِّل معاها يرفض الأطفال، لازم أعرف هوَّ عايز إيه.

قالتها وغادرت المنزل بخطواتٍ مضطَّربة.

جلست ميرال مكانها، تضمُّ رأسها بين كفَّيها كأنَّها تحاول كبح دموعها.

اقتربت فريدة منها، جلست بجوارها، وربتت على ظهرها برفقٍ مطمئن:

_كلُّه هيعدِّي يا حبيبتي…هكلِّم إلياس يكلِّمه، ويشوف ليه رافض.

رفعت ميرال رأسها ببطء، وعيناها محمَّلتان بوجعٍ:

_ هوَّ مش رافض يا ماما…

قطبت فريدة جبينها باستفهام.

تنهَّدت ميرال، ونظرتها تائهة في الفراغ، وألمٌ ثقيلٌ يقبض على صدرها:

_ حاسَّة إنِّ عنده مانع…ابني بيتوجع يا ماما ومش بيحكي.

أومأت فريدة ببطء، وقالت بصوتٍ خافت:

_ أنا كمان حاسَّة إنُّه بيعاني من حاجة.

ثم أردفت برفق:

_ قومي اطلعي لبنتك…متخلِّيهاش تحسِّ بحاجة، الليلة كانت ليلتها… بلاش تتنكِّد هيَّ كمان.

أومأت ميرال ونهضت، تتَّجه إلى الأعلى بخطواتٍ مثقلة.

بالأعلى قبل قليل..

جلست على فراشها بعد ذهاب حمزة.

أخرجت هاتفها تتأمَّل صورهما معًا لهذه الليلة، وابتسامة دافئة ارتسمت فوق شفتيها دون وعي.

انسحبت بذاكرتها إلى تلك القبلة…

أغمضت عينيها، وشعرت برجفةٍ ناعمة تسري في جسدها مع استعادة الإحساس، وكأنَّ لمسة شفتيه مازالت عالقة فوق ثغرها…وكأنَّ دفء أنفاسه لم يغادرها بعد.

رفعت يدها تلامس شفتيها بخفَّة، وابتسمت ببراءةٍ حالمة…كأنَّه يقف أمامها الآن.


فتحت عينيها ببطء، ووجَّهت نظرها نحو شاشة جهازها، تتذكَّر هديته هو ويوسف.

كان قد جمع صورها منذ طفولتها… من ضفائرها الصغيرة وابتسامتها الخجولة، حتى صورة تكريمها في الثانوية، وصنع لها منها مقطعًا مصوَّرًا.

ابتسامة دافئة لمعت في عينيها وهي تتنقَّل بين الصور.

توقَّفت أصابعها فجأة عند صورة قديمة…كانت ترتدي فيها مايوه السباحة، طفلة لم تتجاوز العاشرة.

تورَّدت وجنتاها، ليس خجلًا من الصورة…بل من الذكرى.

تذكَّرت نبرته وهو يمازحها عن جسدها الصغير آنذاك، وكيف جعلها تضحك وتختبئ في الوقت نفسه.

أغمضت عينيها وهمست لنفسها بخجلٍ رقيق:

_كده يا يوسف تخلِّيه يضحك عليَّ؟

رنَّ هاتفها..رجفة دافئة سرت في جسدها وهي ترى اسمه يضيء الشاشة…كما أضاء قلبها.

رفعت الهاتف بأنامل مرتعشة:

_ ألو…

جاءها صوته محمَّلًا بالشوق، دافئًا بشكلٍ أربكها:

_ وحشتيني يا حبيبي.

أغمضت عينيها فورًا، كأنَّ صوته وحده يكفي ليذيب المسافة بينهما.

تنهَّدت وهمست، وصوتها بالكاد يُسمع:

_ وإنتَ كمان…

تنفَّس بعمق، وكأنَّه يحاول أن يلمسها بأنفاسه:

_ وإنتِ إيه يا شمسي…حنِّي على قلب حمزة اللي جنِّنتيه.

ابتسمت دون وعي، وقلبها يخفق بعنف:

_ وإنتَ كمان وحشتني يا حمزة…

توقَّف لحظة، ثم قال بنبرةٍ فيها عتابٍ مدلَّل:

_ حمزة؟

فهمت مايقصده، ورغم ذلك صمتت

فأكمل بصوتٍ خافت راجٍ:

_ ده أنا مسافر الصبح…وقدَّامي شهر كامل من غيرك، شهر هيبقى طويل أوي يا شمس..حياتي كلَّها هتضلم.

لان صوتها وهي ترد:

_ بعد الشر عليك…متقولش كده، إن شاء الله حياتك تفضل منوَّرة.

همس فورًا:

_ بوجودك يا حبيبة حمزة…

خرجت كلماتها هذه المرَّة من قلبها قبل لسانها:

_ وحياتي أنا كمان منوَّرة بوجودك يا حبيب شمس..شعرت بتهوُّرها.

سكتا الاثنين…لكن صوتًا آخر..صوتًا ممتلئًا بأنفاسٍ متلاحقة، وخفقات قلوبٍ تُسمع عبر المسافة.

همس بعدها، وأردف بصوتٍ أشبه للهمس:

_ قوليها تاني يا شمس…

ضغطت على شفتيها، وقلبها يرتبك:

_ إنتَ عندك شك؟

_ لا…بس عايز أسمعها من شفايفك. الشفايف اللي خلِّتني ضعيف قدَّامك. بقيت مش عايز غير إنِّك تكوني بين إيديَّا.

اشتعل وجهها خجلًا:

_ حمزة…بلاش الكلام ده، بتكسف.

ضحك بخفوت، ونبرة صوته صارت أحنّ:

_ بتتكسفي من جوزِك يا شمسي؟

توقَّفت الكلمة داخلها…

"جوزِك."

ردَّدتها بداخلها بذهولٍ حلو.

"جوزي…"كلمة بسيطة لكنَّها هزَّت قلبها من الداخل.

همست بها دون أن تشعر:

_جوزي…

رغم أنَّها قالتها بهمس إلَّا أنَّ أذنه التقطتها، وكأنَّه كان ينتظرها:

_ آه…جوزِك وملكِك يا روح حمزة.

ارتجف قلبها بين ضلوعها…

وفي تلك اللحظة تحديدًا، فُتح الباب..

دخلت ميرال.

فهبَّت شمس واقفة فجأة، وكأنَّها أُمسكت متلبِّسة بمشاعرها.


توقَّفت ميرال تنظر إلى ابنتها بتردُّد، نظرة أم تحمل في داخلها وجعًا لا يُرى. حاولت أن تبتسم رغم الثقل الذي يسكن صدرها  بسبب ابنها، لكن براءة شمس كانت كفيلة بأن تزيح من فوق قلبها بعض هذا الألم...ولو قليلًا

استمعت إلى صوت حمزة عبر الهاتف:

_حبيبتي، روحتي فين؟

ارتبكت شمس، نظرت إلى والدتها في قلقٍ طفوليّ، ثم إلى الهاتف، لم تعرف ماذا تفعل..ابتسمت ميرال لها ابتسامة هادئة مطمئنَّة، وأشارت برأسها:

_ ردِّي يا حبيبتي على خطيبك...وأنا هستنَّاكي في البلكونة.

أومأت شمس بخجل، بينما خرجت ميرال إلى الشرفة..وقفت تستقبل هواء الليل، ومازالت ابتسامتها معلَّقة على شفتيها بسبب براءة ابنتها التي لا تعرف شيئًا عن ثقل الدنيا.

_ أيوه يا حمزة...لازم أقفل، ماما جت.

_ تمام يا حبيبتي، تصبحي على خير.

خرجت شمس، فوجدت والدتها جالسة تنظر إلى السماء بشرود، كأنَّها تبحث بين النجوم عن راحةٍ لقلبها.

_ ماما...

رفعت ميرال عينيها ببطء نحو ابنتها. لم تقل شيئًا، فقط أشارت إلى المقعد بجوارها، جلست شمس، فسحبتها ميرال تحت ذراعها، كأنَّها تختبئ داخل حضن ابنتها من همومها:

_ماما...مالك يا حبيبتي؟

أمسكت بكفِّ ابنتها بين يديها، وضغطت عليها بحنان وقالت بصوتٍ حاولت أن تجعله عاديًّا:

_ قولي لي عملتي إيه إنتِ وحمزة بعد ماخرجتوا؟ مش عايزة تخبِّي على ماما حاجة.

وضعت شمس رأسها على كتف والدتها، وبدأت تقصُّ لها ماحدث، كانت ميرال تستمع لها بإنصات.

فجأةً رفعت شمس رأسها بحماس:

_ فيه حاجة حمزة جابهالي، وعايزة تقولي رأيك فيها.

أومأت لها ميرال بابتسامةٍ دافئة. نهضت شمس مسرعة إلى الداخل، وبعد لحظات عادت تحمل علبة مجوهرات فاخرة، وضعتها أمام والدتها بحماسٍ طفولي، وفتحتها،  أخرجت طقمًا من الألماس الحر، يلمع تحت ضوء الشرفة:

_ شفتي شكله يا ماما؟

مدَّت ميرال يدها ببطء، تتأمَّله بين أصابعها، ولمعت عيناها للحظة:

_ شمس، جايب لك طقم على هيئة شمس.

ابتسمت شمس بسعادةٍ صافية:

_ إيه رأيك فيه يا ماما؟



كان الطقم أشبه بقطعةٍ فنيَّة صُنعت بعناية لتُشبه شمسًا حقيقيَّة، لا مجرَّد شكل، يحتوي على عقدٍ جاء على هيئة شمس كاملة، تتوسَّطه دائرة من الألماس الصافي الكبير، مقطوع بدقَّة عالية تجعل كلَّ وجهٍ فيه يعكس الضوء وكأنَّه شرارة حيَّة، ومن حولها امتدَّت أشعة رفيعة متناسقة، كلُّ شعاعٍ مرصَّع بأحجار ألماسٍ أصغر حجمًا، مصطفَّة بإتقان يجعلها تبدو كخيوط ضوءٍ حقيقية تنبثق من القلب.

لم تكن الأشعة مستقيمة تقليدية، بل منحنية بانسيابية رقيقة، وكأنَّها تتحرَّك فعلًا، فتمنح التصميم حياةً وأناقة نادرة؛ يحتوي كذلك على سلسلة رفيعة للغاية من الذهب الأبيض اللامع، بالكاد تُرى، حتى يبدو وكأنَّ الشمس الماسيَّة معلَّقة على عنق من ترتديها بلا وسيط.

أمَّا القرطان، فجاءا على نفس الفكرة: شمسٌ صغيرة متوهِّجة، تتدلَّى منها أشعة قصيرة تلمع مع كلِّ حركة، فتجذب النظر دون مبالغة.

ولا ننسى الخاتم الذي كان الأكثر فخامة؛ شمس مصغَّرة تلتفُّ أشعتها حول الإصبع، مرصَّعة بألماسٍ دقيق، تتوسَّطه ماسة أكبر تعكس الضوء بطريقةٍ تأسر العين.

الطقم كلُّه كان يصرخ بفخامته، فخامة يعرفها من يفهم قيمة الألماس الحقيقي، ويقدِّر دقَّة التصميم الذي صُنع خصيصًا ليكون رمزًا لاسمها… شمس.

"الوصف دا حبيباتي من جوجل، أه وحياة النعمة، معنديش خبرة أنا في المجوهرات" 🙈🙈..ظلَّت ميرال تتفحَّص الطقم إلى أن نطقت شمس:

_ماقولتيش رأيك يا ماما؟

نظرت لها ميرال نظرةً طويلة، وقالت:

_ حلو طبعًا يا حبيبتي، بس المهمِّ مش رأيي أنا...المهمِّ يكون عجب شمس حمزة، المهمِّ تكوني إنتِ مقتنعة بيه. وحتى لو قلت لك مش عاجبني، اسمعي نصيحة من ماما..أوعي في يوم تعيِّبي في حاجة يجيبهالك..اشكريه وحبِّيها...حتى لو كانت ورقة فاضية، يكفي إنُّه فكَّر فيكِ، واهتم إنُّه يسعدك.

اقتربت شمس بسرعة وقبَّلت والدتها بحب:

_ إنتِ أحسن أم في الدنيا.

ضحكت ميرال بخفَّة، لكن عينيها امتلأتا بدموع لم ترد أن تسقط:

_ وإنتِ أحسن شمس في حياتنا. شموس...ماليش غيرك إنتِ وأخوكي. عايزاكي دايمًا تبقي سعيدة يا حبيبتي، حمزة بيحبِّك أوي، وعارفة إنُّه كتب كتابكم وبقى جوزك...لكن رغم كده، لازم يكون فيه حدود بينكم..فهماني يا شموسة؟

أومأت شمس بثقة ووضعت يدها على يد والدتها:

_ ماتخافيش يا ماما...عمري ماأخذلك إنتِ وبابا أبدًا.

مسَّدت ميرال على شعرها بحنان، وضمَّتها إلى صدرها وكأنَّها تريد أن تخبِّئها من الدنيا كلَّها:

_ ربِّنا يسعدك يا حبيبتي...قومي نامي. اليوم كان متعب أوي.

ظلَّت ميرال جالسة بعدها للحظات، تنظر إلى السماء مرَّةً أخرى...إلى أن هدأ قلبها قليلًا، لأنَّ شمسها مازالت تضيء حياتها.

بمنزل يزن…

دلفت إلى الداخل وأغلقت الغرفة خلفها، ثم هوت على الأرض تبكي بنحيبٍ مكتوم، واضعةً كفَّيها على فمها حتى لا يخرج صوتها فضيحةً لوجعها:

_هونت عليك يا بلال، هونت عليك تكسر قلبي؟

ضربت على صدرها بقوَّة، كأنَّها تعاتب قلبها قبل أن تعاتبه هو:

_ ليه حبِّيته؟! متخلِّفة…أنا واحدة متخلِّفة.

دفنت رأسها بين ركبتيها، وانفجر بكاؤها عاليًا هذه المرَّة، عاجزًا عن الاختباء، طرقات على باب غرفتها:

_ رولا، افتحي الباب يا حبيبتي…خلِّينا نتكلِّم.

لكنَّها لم ترد، وصل آسِر إلى والدته، وعيناه تقدحانِ بالغضب والارتباك:

_ ممكن أفهم إيه اللي بيحصل، إزاي بلال اتجوِّز على رولا، وليه اتجوِّزها أصلًا؟

تنهَّدت والدته بتعبٍ واضح:

_ آسِر…ممكن نتكلِّم بعدين؟

لكن صبره كان قد نفد، ضرب بقبضته الحائط بقوَّة:

_ لحدِّ إمتى؟! لحد إمتى تعاملوني كأنِّي عيِّل بريالة، تضحكوا عليَّا؟

اقترب منها كالمجنون، يشير بيده بعصبية:

_ أنا لازم أعرف دلوقتي، رولا اتجوِّزت بلال ليه؟ وبلاش تعامليني كأنِّي غبي!

انسابت دموعها وهي تنظر إليه بصمت موجع:

_أنا بعاملك إنَّك غبي يا آسِر؟

_ مامااا!...صرخ بها، حتى ارتجَّت الجدران.

في تلك اللحظة، دلف يزن من الخارج، وصوته خرج مثقلًا بالخذلان والغضب معًا:

_ علشان أختك غبية، ومش عارفة تحافظ على نفسها.

التفت آسِر إليه بعينين متَّسعتين.

اقترب يزن خطوةً أخرى، وكأنَّ كلَّ كلمة تخرج منه تجرح قلبه قبل أن تصل إلى ابنه:

_علشان وثقت في بنتي ثقة متستاهلهاش، علشان أنا أب فاشل مافهمتش إنِّ بنتي بتضيع قدَّام عينيَّ، لا شجَّعتها، ولا سمعت كلام أمَّك لمَّا حذَّرتني كذا مرَّة.

دار بوجهه بينهما، وملامحه تنطق بالوجع والندم:

_ يعني إيه مش فاهم؟

سادت لحظةُ صمتٍ ثقيل، يشعر بأنَّ أنفاسه تخرج لبارئها.



هوى على المقعد، وأردف بصوتٍ خرج متهالكًا وهو يقصُّ له ماحدث، منذ اللحظة التي تورَّطت فيها مع رؤى، إلى أن انتهى الأمر بطلاقها من بلال.

ارتفعت أنفاس آسِر، وشعر كأنَّ الأرض تميد تحت قدميه:

_ ده كلُّه حصل! وأنا فين من ده كلُّه؟

تقدَّم بخطواتٍ ثقيلة نحو والده، يشير إلى صدره:

_ يعني الكلِّ يكون عارف…وابنك لأ؟! لغيت ابنك من حياة أخته، أختي يحصل لها ده كلُّه وأنا زي الأطرش في الزفّة؟

ردّ يزن بصوتٍ متعب:

_ كنت خايف عليك…ماحبِّتش تحسِّ إنَّك مكسور، كنت عايزك دايمًا ماشي رافع راسك، وإحنا…إحنا ماكنَّاش عارفين كلِّ اللي حصل.

ضحك آسِر بسخرية موجوعة:

_ إيه الكلام ده يا باشمهندس!! كلام ما يدخلش عقل طفل! يعني إيه ماكنتش عارف؟ عالجت غلط بغلط، بدل ماتدوَّر على اللي عمل كده…روحت جوِّزتها! طب مااتجوِّزت، أهو اتجوِّز عليها..ومش هتقدر حتى تعاتبه…لأنُّه حقُّه، هيقول مادي ماكانتش جوازة، ده كان اتِّفاق، وهنا كان الإثم يا باشمهندس.

انحنى قليلًا، ونظر في عيني والده مباشرة:

_ عارف رولا فقدت الجنين ليه؟  وعارف بلال اتجوِّز وطلَّق ليه؟ لأنَّك جوِّزت بنتك بطريقة غلط..إيه يا باشهمندس، ياراجل يالي حافظ كتاب الله، هوَّ فيه جواز بالاتِّفاق، وياريت تيجي على كدا، للأسف يا بابا حاولت تدفن غلطها بمساعدة ناس غُرب، حتى ابنك الوحيد مافكَّرتش تاخد رأيه. لجأت للغريب…فكان لازم ييجي العقاب.

تنفّس بحدَّة، وتابع بصوتٍ منخفضٍ وهو يقول بمرارة:

_خوفت من الفضيحة فعملت زي النعامة، دافن راسك في التراب..بس الغلط كان أكبر من إنُّه يستخبَّى.

أنهى كلماته، ثم اتَّجه إلى غرفة أخته. طرق الباب بقوَّة، ثم فتحه ودخل.

وجدها منكمشة على نفسها، تحتضن ركبتيها، تحدِّق في نقطةٍ وهمية أمامها.

مرَّت لحظاتُ صمتٍ ثقيل..اقترب وجلس بجوارها على الفراش:

_مش عارف أقول إيه..ولا أحاسبك إزاي وأنا جزء من اللي حصل، أنا اللي سبتك لاندفاعك، فاكرة نفسك دايمًا صح..كام مرَّة حاولت أحذَّرك من غرورك، لكن بنت يزن باشا ماتسمعش. لازم تعاند وتتعالى..ودي النتيجة.

التفت ينظر إليها، وصوته أصبح أهدأ لكنَّه أكثر ألمًا:

_ ومقدرش أعاتب بلال، لأنِّك ظلمتيه. مفيش حد عاقل يؤذي نفسه ويؤذي غيره باللي حصل.

تعمَّق في النظر إليها، وعيناه ممتلئتانِ بالخذلان:

_فيه واحدة في الدنيا عاقلة تقتل ابنها علشان تنتقم من جوزها، بلال كان راجل معاكي يا بنت أبويا وأمِّي، على كلام أبوكي، رغم اللي حصل متنازلش عنِّك، يمكن ظلمتيه ويمكن هوَّ ظلمك، معرفش مين ظلم مين، بس إحنا كلِّنا اتكسرنا باللي حصل.

قالها، ثم نهض ببطء من مكانه،



خطا خطوتين نحو الباب، لكنَّه تجمَّد في مكانه على صوتها المبحوح، الخارج من بين شهقاتها:

_ عايزة حقِّي يا أخويا…مش إنتَ أخويا؟ هاتلي حقِّي منُّه بدل ماتقولِّي كسرتِ رجولته، قولُّه ليه كسرني أنا كده..بعد ماحبِّيته وآمنت له.

وضعت كفَّيها على صدرها فوق قلبها، كأنَّها تحاول أن تمنع الألم من التمدُّد داخله:

_ قلبي محروق ومكسور أوي منُّه.

انسابت دموعها بلا توقُّف، وارتجف صوتها وهي تواصل:

_ أنا بحبُّه أوي يا آسِر…علَّقني بيه، خدني لسابع سما وفجأة رماني، لحدِّ مااتفتِّت، مابقاش فيَّ حتَّة سليمة.

شهقت بقوَّة، وكأنَّ الهواء نفسه صار يؤلمها:

_ حاولت أموت قبل كده بسببه…وماعرفتش..حتى الموت كأنُّه رافضني..كأن ربِّنا بيقولِّي هسيبك تتعذِّبي…وتشوفيه ملك لغيرك، قلبي بيوجعني أوي…أنا بموت، طفِّي النار اللي جوَّايا.

لم يحتمل آسِر، اقترب بسرعة وضمَّها إلى صدره..وماإن لامست صدره حتى انهارت، وبكت بصوتٍ مرتفع، بكاءً موجعًا هزَّ جدران البيت.

في الخارج، رفع يزن ورحيل رأسيهما على صوت بكائها..كانت تبكي كطفلةٍ تائهة:

_ قلبي وجعني يا آسِر، ليه يكسرني كده، ليه يدبحني بالطريقة دي؟ قولُّه انتقمت من رولا وخدت حقَّك منها تالت ومتلِّت لأنَّها مش قادرة تتنفس من غيرك، أنا…أنا مش قادرة أعيش من غيره.

بكت حتى خارت قواها، ظلَّ آسِر يربت على ظهرها، يهمس بكلماتٍ لا يسمعها أحد، فقط لتشعر أنَّها ليست وحدها.

شيئًا فشيئًا، خفَّت شهقاتها حتى غفت بين ذراعيه، ودموعها مازالت  على خدَّيها.

عدَّل وضعها برفق، دثَّرها جيِّدًا، وبقي دقائق يتأمَّل وجهها المنهك، كأنَّ الألم محا ملامحها، ثم نهض وخرج.

في الخارج، كانت رحيل مستندة برأسها إلى المقعد، بعينينِ زائغتين، كأنَّها حاضرة بجسدها وغائبة بروحها. ويزن حاله لم يكن أفضل.

في تلك اللحظة، دلف أرسلان.

توقَّف عند المدخل لحظات، محمحمًا في حرج..مسحت رحيل دموعها سريعًا، ونهضت دون كلمة، ودخلت إلى ابنتها.

اقترب أرسلان من يزن، وجلس بجواره، يحاول أن يفتح حديثًا، لكن الكلمات خذلته.

طالعه يزن وقال بصوتٍ مكسور:

_ مش محتاج تقول حاجة، أنا عارف كلِّ حاجة من يوم اللي حصل..بس اللي مش فاهمه، ليه بلال كان بيقول الموضوع شهر بالكتير، وعدَّى شهرين؟ طب لمَّا هوَّ عايز يكمِّل معاها، ليه قرَّب من البنت وعلَّقها بيه بالشكل ده؟

تنهَّد أرسلان بثقل:

_ يزن…أنا متفاجئ زيك، والله ماكنت أعرف إنُّه تمِّم جوازه منها..صدَّقني اتصدمت.

ابتسم يزن ابتسامةً موجوعة:

_ لا، ماتتصدمش يا أرسلان، بلال جالي وقالِّي إنُّه هيكمِّل جوازه من رولا…طب ليه متمسِّك بالتانية، مدام بيحبِّ بنتي؟!

ردَّ أرسلان بسرعة:

_ هوَّ قالِّي إنُّه طلَّقها.

التفت يزن إليه بصدمةٍ حقيقية، وكأنَّ الأرض انسحبت من تحته:

_ يعني إيه طلَّقها؟! طب لمَّا هوَّ طلَّقها…ليه راح لها البيت، ومين اللي قال لرولا؟

سكت فجأة…





القسم الثاني 52

اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك


ضاق صدري، وفاضت عيني بما حاولت كتمانه.

كنت أحسب أن الصبر نجاة، فوجدته أول من خان احتمالي، فتركني وحدي أمام الألم، ولم يبقَ لي منه إلا اسمه.


أُخفي جراح قلبي، فتفضحها الدموع دون استئذان، كلما مسحت عيني عادت جفوني أثقل مما كانت.


فراقنا كان أكبر من قلبي،

وأنا أصغر من أن أغيّر قدرًا

كُتب… ومضى.


عند بلال ظلَّ يتجوَّل بالسيارة دون هدى، هنا لم يكن غاضبًا فقط…بل كان منهارًا من الداخل، منهارًا بطريقة الرجل الذي يشعر أنَّ شيئًا جوهريًا فيه قد انكسر ولن يعود كما كان.

صفَّ السيارة أمام النيل وترجَّل منها، خطا بثقل جسده، وقف أمام النيل يتأمَّل الماء الساكن، لم يراه مياهً بل رآه وكأنَّه

كان يقف أمام مرآةً سوداء يرى فيها نفسه غارقًا حتى العنق..ومشاهده معها تجري أمام عينيه كشريطٍ سينمائيٍّ سريع، أغمض عيناه يريد أن يمحو تلك الإهانات التي تلقَّاها منها. لم تكن كلماتٍ عابرة، بل كانت طعناتٍ متراكمة، حفرت في صدره فجوة واسعة، حتى أصبح يشعر أنَّ قلبه لم يعد ينبض حبًّا…بل نزيفًا..

هو لا يتألَّم لأنَّه أحبَّها.

هو يتألَّم لأنَّه اكتشف متأخِّرًا أنَّه أحبَّها أكثر ممَّا يجب…أكثر ممَّا يحتمل أي رجلٍ أن يُهدر كرامته في سبيله.

في داخله كان صراعٌ عنيف..رجل يريد أن يصرخ، أن يحطِّم، أن ينتقم لرجولته المجروحة…

وفي الوقت نفسه عاشقًا مكسورًا لا يزال يتشبَّث بها كالغريق بخشبة نجاة.

كان يشعر بشيءٍ أقسى من الغضب…

كره نفسه لشعوره بأنَّه أصبح ضعيفًا أمامها، مريضًا بها، عاجزًا عن كرهها رغم كلِّ مافعلته.

رنَّ الهاتف مرَّةً وأخرى، تجاهله في كلِّ مرَّة، وهو يتمنَّى أن يجد شاشته تنير بصورتها وحدها، هنا لم يتجاهله لأنَّه لا يريد الرد…

بل لأنَّه لم يعد يحتمل أن يسمع أي صوتٍ في العالم غير صوتها، حتى لو كان يؤذيه.



ارتفعت انفاسه واختنق، حين شعر بقلبه يريدها الآن، يريد أن يلقي نفسه بين ذراعيها، كيف وصل لهذه الحالة بعد كسرتها له، كيف لم تشعر بقلبه الذي يصرخ بها ولها وهي بين ذراعيه، الهذه الدرجة تغلَّلت بداخله كالمرض؟!..

صراعٌ بين القلب، ليصفع العقل لأوَّل مرَّة القلب ويتمرَّد عليه، يكفي هذا الحد، يكفي إهدار لرجولتك أيَّها الغبي...ظلَّ لدقائق وصراعه كاد يخنقه إلى أن اتَّجه إلى السيارة مرَّةً أخرى وقادها وتحرَّك بها متَّجهًا إلى منزل كارما، يجب أن يضع حدودًا جديدة لحياته التي أهدرها مثلما أهدر كرامته، وصل أمام المنزل ثم قام بالاتِّصال بها، كانت تغطِّ بنومها، فتحت عيناها وقامت بالردِّ دون أن تنظر.

_انزلي أنا تحت.

هبَّت من مكانها تنظر بساعة هاتفها:

_إيه اللي حصل، ليه جيت في الوقت دا؟!

_كارما مش عايز كلام كتير، أنا تحت انزلي

_آسفة يا دكتور، مش هقدر الوقت متأخَّر.

_يبقى أنا هطلع.

كانت الساعة  الثالثة فجرًا، لم يكن يتصرَّف بوعيٍ كامل…

كان مدفوعًا بحالة اختناق داخليّ، بحاجةٍ قهريةٍ لينتزع قلبه الذي يصرخ داخله، لا يريد أن يذهب هناك، لا يريد أن يراها، كيف يتصرَّف ويتحمَّل وجودها ولا يستطع لمسها، إلى الآن  يشعر أنَّها مازالت تخصُّه، حتى لو كانت ترفضه...

نبرته الحادَّة لم تكن قسوة…



صعد إلى الأعلى رجلًا محطَّمًا، يتخبَّط بين كرامته الجريحة وقلبه الذي يرفض أن يتوقَّف عن حبِّ من كسرته.

هو في أضعف حالاته…وأكثرها صدقًا.

بالأعلى..

استيقظت ابنة عمَّها على صوت حركتها المتوتِّرة:

_ كارما، فيه إيه؟

اتَّجهت كارما إلى خزانتها تسحب أي ثياب تقع تحت يدها:

_ مفيش، الدكتور تحت وشكله هيطلع.

رفعت الأخرى حاجبها بدهشة:

_ دكتور مين، قصدك بلال؟

رمقتها كارما بنظرة تحذير حادَّة:

_ماينفعش تقولي اسمه كده، ده أكبر منِّك بخمستاشر سنة، نامي يا كندا ربِّنا يهديكي.

اعتدلت كندا مبتسمة بمشاكسة:

_ نوم إيه بس؟ واضح إنِّ اللي جاي محتاج قهوة.

طالعتها كارما بامتعاض، فغمزت لها الأخرى:

_ النظرات دي غيرة؟

_بطَّلي هبل ونامي.

رنَّ الجرس..

تقدَّمت كارما بخطواتٍ متردِّدة نحو الباب، نظرت من العين السحريَّة، ثم فتحته.

دخل وهو يتمتم بضيق:

_ أمال لو ماكنتش قايل إنِّي طالع.

تحرَّك للداخل بثقل، ودلفت خلفه بارتباك:

_ إيه اللي حصل؟ عمرك ماجيت في وقت زي ده.

نزع جاكيته وألقى بنفسه على المقعد، يمسح وجهه بإرهاقٍ ظاهر:

_ اعملي قهوة راسي هتنفجر.

تأمَّلته كارما بحزن، ملامحه مرهقة، عيناه زائغتان كمن لم يذق طعم الراحة منذ أيَّام.

قالت بهدوء:

_ إنتَ متخانق مع رولا، صح؟

_ كارما…قهوة.

اقتربت منه لأوَّل مرَّة بشيءٍ من الجرأة المرتجفة:

_ يمكن مش من حقِّي أدخل في حياتك، بس يعلم ربِّنا أنا بعزَّك قد إيه، إنتَ كنت النور الوحيد في أيام سودا عدِّت عليَّا، متزعلش منها…هيَّ بتحبَّك. الستِّ لمَّا أمانها يهتز، الدنيا كلَّها بتهتزّ جوَّاها.

فتح عينيه بضيق:

_كفاية، مالكيش دعوة.

بلعت ريقها بصعوبة:

_أنا سبب المشاكل دي، إحنا كنَّا متَّفقين على الطلاق، متسمعش كلام حد..ولو حد حاول يضايقني هتصرَّف.

عاد يسند رأسه للخلف وأغمض عينيه للحظة، ثم قال بصوتٍ خافت لكنَّه حاسم:

_ أنا ورولا اتطلَّقنا.

شهقت كارما كأنَّ الكلمات صفعتها:

_ إيه!! ليه؟! كده إنتَ بتكسرها… دلوقتي أي حد هيقول إنِّ فيه حاجة بينَّا!

اقتربت منه تمسك ذراعه برجاء:

_ لو سمحت امشي، أنا مش عايزة أكون سبب أذى لحد.

قبض على ذراعها بقوَّة، ونظر إليها بنظرةٍ قاسية أربكتها:

_اسمعيني كويس، أنا ورولا خلاص. وقدَّامك يومين تجهزي علشان نوثِّق جوازنا.

نظرت حولها في صدمة، فتابع بتهكُّم:

_ وبالمناسبة..ده بيتي، مش بتطرديني من بيتي.

تراجعت للخلف تهزُّ رأسها بعنف، الدموع تنساب دون إرادة..لمح خوفها فخفَّ توتُّره قليلًا.

اقترب منها بصوتٍ أقلَّ حدَّة:

_ كارما…اسمعيني.

ابتعدت سريعًا تنفض ذراعيها:

_ ماتلمسنيش، البيت بيتك وأنا مش هطردك.

قالتها واندفعت إلى الداخل.

ظلَّ واقفًا مكانه لحظة يزفر بضيق، يشعر بثقل الدنيا فوق صدره…لا يعرف كيف وصل به الحال إلى هذه النقطة، ولا لماذا كلَّ شيء من حوله يتحوَّل إلى عقدةٍ أكبر كلَّما حاول حلَّها.


بمنزل يوسف..

ظلَّ منتظرها على أمل أن تاتي، رفع هاتفه مرَّة واثنان لم ترد..تمدَّد بمكانه على الأريكة..غفت جفونه:

_إنتَ مستحيل تطلَّق بنت عمَّك، سمعتني إيَّاك تعملها يا يوسف.


حاضر يا باشا هعمل اللي حضرتك عايزه، مش الباشا أمر..لازم كلامه يتنفِّذ بالحرف الواحد كأنُّه قرآن نازل من السما.

لم يكد ينهي جملته حتى هوت كفُّ إلياس على وجه ابنه صفعة هزَّت جدران البيت قبل أن تهزَّ قلب يوسف.

شهق يوسف، تتَّسع عيونه بدهشة ودموع الغضب تختنق بعينيه.

صرخت فريدة بصوتها المرتجف وهبَّت من مكانها:

_ إلياس كفاية!

ثم أشارت إلى يوسف:

_ يوسف، اطلع برَّه دلوقتي!



لكنَّه لم يتحرَّك، ظلَّ واقفًا أمام والده كتمثالٍ من الغضب، نظراته تحمل مزيجًا من الوجع والعناد والخذلان. رفع رأسه ببطء وقال بصوتٍ حُشر بين بكاءٍ مكبوت وصرخةِ روح:

_ ماشي من الدنيا كلَّها، ياربِّ تبقوا مبسوطين!


اخترقت كلماته كطعنةٍ في صدر فريدة، ومسمارًا في قلب ميرال التي رمقت إلياس  بنظرة وجعٍ أموميّ قبل أن تركض خلفه:

_ يوسف، يوسف استنى يا حبيبي!

لكنَّه لم يستمع، هرول إلى الخارج، خطواته مضَّطربة كأنَّ الأرض تنزلق من تحته.


خرج من البوَّابة الرئيسية دون سيَّارته، مع وصول "ضي" تدخل بسيَّارتها من الجهة الأخرى.

لمحت ميرال وهي تركض، وصرخاتها تخترق المكان:

_ يوسف!!


ترجَّلت ضي بسرعة من سيَّارتها، قلبها انقبض، وشعرت أنَّ شيئًا فادحًا يحدث، اقتربت منه ونادت بصوتٍ مرتعش:

_ يوسف..استنى، اسمعني بس!



التفت نحوها، عيونه محمَّرة، وجهه ممتقعٌ بالدموع والخذلان، ثم صرخ بكلِّ مابقي من غضبٍ في صدره:

_ أنا بكرهك، سمعتيني؟ بكرهك! وابعدي عن حياتي.


كأنَّ الكلمات خرجت بسكينٍ حادٍّ وغُرست في صدرها.

تراجع جسدها خطوةً للخلف، شفتاها ارتجفتا وهمست بخفوتٍ موجع:

_تمام.


استدارت ببطء، عيناها تائهتانِ لا تريان شيئًا، كأنَّها فقدت القدرة على الحياة.

وشعرت بثقل الهواء من حولها حتى فقدت التنفُّس، ودموعها غطَّت الرؤية.

لم تلحظ تلك السيارة المسرعة القادمة من بعيد، أو ربَّما لم ترغب أن تراها…

لحظة واحدة وارتطمت بها بقوَّة، صوت الصدمة دوى كالرعد، وارتفع جسدها للحظة قبل أن يهوي أرضًا، غارقةً في بحرٍ من دمها، ساكنةً كدميةٍ انكسرت أحلامها دفعةً واحدة.

صرخت ميرال:

_ ضييي!!

وانهارت تركض نحوها بجنون، سقطت على ركبتيها تحتضنها والدماء تسيل بين أصابعها، تصرخ باسمها كأنَّها تحاول أن تعيد الروح لأنفاسها.

هبَّ من نومه فزعًا، يستغفر ربَّه ويمسح على وجهه، يهمس اسمها، طافت عيناه بالمكان يبحث عنها ولكنَّها غير موجودة، أشرق الصباح بنور ربِّه، نهض من مكانه ينفض شيطانه بكلماتٍ من الإستغفار، لعلَّ اختناقه يزول، ثم اتَّجه إلى الحمَّام دقائق معدودة وخرج يقضي فرض ربِّه، لقد فاتته صلاة الفجر، دقائق وأنهى صلاته، ظلَّ بمكانه لفترةٍ من الوقت، ينظر بهاتفه على عدد المرَّات التي هاتفها بها، ثم نهض متَّجهًا إلى منزل والده.

دلف للداخل، وجد الجميع على طاولة الإفطار:

_صباح الخير على الجميع، صاحيين بدري.

_صباح الخير حبيبي، أه تيتا وجدُّو مسافرين لعمُّو إسلام.

جلس جنب فريدة وقبَّل كفَّيها:

_متتأخَّريش هناك.

داعبه مصطفى:

_يعني جدَّك يفضل هناك؟

التفت إليه وحاول إخراج ابتسامة:

_لا طبعًا، يعني هَّي هتيجي لوحدها يا جدُّو.

ربت على ظهره:

_ربِّنا يبارك فيك يا حبيبي، أومال فين مراتك؟

_عند باباها..تمتم بها بخفوت، ثم سحب بعض الطعام يتهرَّب من نظرات ميرال.

رمقه إلياس:

_ردِّيت على الدكتور ولَّا لسة؟

رفع رأسه لوالده وصمت قليلًا ثم قال:

_لسة، هردّ عليه النهاردة.

_تردِّ عليه في إيه يا حبيبي؟

_محتاجني معاه في ألمانيا.

_شهقت ميرال:

_سفر يا يوسف لا..سمعتني؟

نظر لوالده الذي يتابع حديثه ثم أومأ لها:

_مفيش سفر يا ماما، دا كان مجرَّد اقتراح من الأستاذ، وخلاص رفضت، بس لسة مابعتلوش.

_ماتوجعش قلبي يا حبيبي.

_سلامة قلبك يا ستِّ الكلّ.

_إنتَ مش وراك مستشفى النهاردة؟

_لا..النهاردة إجازة، كنت عايز أخرج أنا وضي، لكن موضوع بلال شقلب الدنيا.

نهضت فريدة تنظر إلى إلياس:

_لسة مرجعش؟

_لا..راح لمراته التانية، بلاش نضغط عليه، سبوه شوية.

_والبنت المكسورة دي يا بني، مين يطفِّي نارها؟

نظر إلياس للبعيد وقال:

_كلُّه هيكون كويس، إن شاء الله خير، المهمّ خلِّي بالك من صحِّتك، وأنا اتكلِّمت مع يزن وأرسلان، وهمَّا شايفين الانفصال أحسن.

اتَّجه بنظره لميرال:

_خلِّي حد من البنات يجيب تليفوني يا ميرال، يادوب نتحرَّك علشان موعد الطيارة.

لم تنظر إليه، نادت على إحدى الخادمات:

_هاتي تليفون الباشا من فوق.

كان يتابع بضيق، منذ الأمس وهي لم تتحدَّث معه، نهض من مكانه دون حديث..

بينما ظلَّت هي ويوسف الغائب الحاضر على طاولة الطعام لدقائق..ثم نهضت وهي تربت على كتف ابنها:

_هودَّع تيتا وأرجع لك.

هزَّ رأسه بصمت.

بعد قليل، كان يتمدَّد على ساق والدته، التي تمسِّد خصلاته بحنان:

_إمبارح ماردتش أتكلِّم معاك، الوضع مكنش مستحمل، أنا أمَّك اللي بتحبَّك أكتر من روحها، قولِّي

مالك يا حبيبي؟!

_تعبان أوي يا ماما.

لم تكن نبرته هذه المرَّة عابرة، لم تكن شكوى جسد، بل صوتُ شيءٍ يتفتَّت داخله، ممَّا جعل قلبها ينتفض بفزعٍ من نبرته، لأوَّل مرَّة يهمس بهذا الوجع، لمست خصلاته بحنان، وهي تمرِّر أناملها بداخلها:

_احكي لماما يا يوسف، نفسي تحكي لي اللي تاعبك، حبيبي، قلبي وجعني عليك، إنتَ مخبِّي حاجة كبيرة، صح؟

اعتدل من فوق ساقيها، ونظر إليها نظرات تصرخ بالألم:

_بتحبِّيني يا ماما؟!

سؤال صغير، ولكنَّه وقع على صدرها كالسوط يجلدها دون رحمة، شهقة أخرجتها من أعماق قلبها، وانهيار تام لجسدها مع دموعها التي انسابت تحرق وجنتيها من كلماته:

_دا سؤال يتسأل لماما يا يوسف؟!

سحب كفَّيها واحتضنها يقبِّلها، ثم رفع عيناه إليها:

_عايز أسافر بعيد ومحتاج دعواتك.

هزَّة عنيفة أصابت قلبها، حتى شعرت بانسحاب أنفاسها:

_عايز تبعد عنِّي يا يوسف؟!

_سفري هوَّ راحتي يا أمِّ يوسف.

كانت تقف عند الباب، لينهار عالمها بأكمله ممَّا استمعت إليه، استدارت بهدوء دون أن يشعر بها أحد، تحرَّكت بخطواتٍ مترنِّحة ودموعها تفترش طريقها وكأنَّ الهزيمة تصرخ بداخلها:

_كنت متأكِّدة إنّّك بتخدعني يا بن عمِّي، ياويلك من الستِّ لمَّا يتغدر بيها يا دكتور.

كلمات باردة أخرجتها من روحٍ تمزَّقت، ولكن هل للقلب أن يصمت أمام الهزيمة..

اعتدل ينظر لوالدته:

_أنا هنا بموت كلِّ يوم يا ماما، بحاول أرضيكي بس أنا تعبان.

بكت ميرال على كلماته:

بعد الشرِّ عليك يا حبيبي، ليه يا يوسف، ليه تاعب قلبك وتاعبني يا بني؟

أغمض عيناه وهناك صرخة من جمرة ناريَّة يريد أن يطلقها ولكنَّه لم يقوَ.

لمست وجهه بحنانٍ كالطفل:

_زعلان علشان ضي عايزة ولاد صح؟

يوسف إنتَ عندك حاجة مانعة الخلفة؟

دموعٌ فقط، دموع رجلٍ انهارت حياته دون أن يفعل شيئًا.

_ماما أنا راضي بكلِّ اللي ربِّنا كاتبه، قدري ومقدرش أعترض عليه، لكن مش قادر أوجعها، مش قادر أجبرها تعيش معايا، حقَّها تكون أم..أنا بحبَّها أوي، وبموت أوي من فكرة الانفصال، لكن لازم تعيش سعيدة، حقَّها تعيش سعيدة يا أمِّي.



شهقت ميرال، وانفجر بكاءها بلا سيطرة، بكاء أمٍّ رأت فلذة كبدها يُذبح أمامها وهي لا تملك سكِّينًا لتمنع ولا يدًا لتداوي.

اقتربت منه كأنَّها تخشى أن يضيع من بين يديها، لمست وجهه بأنامل مرتعشة، تتحسَّس ملامحه كما لو كانت تحفظها خوف الفقد.

_ ماتقولش كده يا حبيبي…أكيد ربِّنا له حكمة، أكيد هيعوَّضك.

هزَّ رأسه ببطء، وابتسامة موجوعة مرَّت على شفتيه كطيفٍ عابر:

_ أنا مش زعلان علشاني…أنا زعلان علشانها هيَّ.

انقبض قلبها، واحتضنت وجهه بين كفَّيها، تحدِّق في عينيه الحزينتين، كأنَّها تبحث داخله عن بقايا أمل:

_ يوسف…الطبِّ اتطوَّر وإن شاء الله أكيد في حل.

انحنى قليلًا وقبَّل كفَّيها، ثم رفع عينيه إليها، وفي نظرته شيء يشبه الاعتذار:

_ ماما، مش عايزك تزعلي..بقالي سنة ومفيش أي تطوُّر، كان نفسي أفرَّحك.

لكن يمكن ربِّنا بيعاقبني علشان كنت جاحد بنعمه قبل كده.

انتفضت من كلماته:

_ يوسف اسمعني…

قاطعها برفقٍ منهك:

_اسمعيني حضرتك لو سمحتي، أنا قدرتي خلصت يا ماما، أوعديني لو بتحبِّيني، محدش يعرف حاجة.

تجمَّدت الكلمات على شفتيها، وارتجف صوتها:

_طب ماتقول لضي…يمكن تتنازل علشان بتحبَّك.

رفع عينيه فجأة، وفيهما خوف لم تره من قبل:

_ ضي لو عرفت يا ماما…يبقى إنتي كتبتي موت ابنك بإيدك، يرضيكي أفضل في نظرها ناقص، وتبقى هيَّ المضحيَّة؟ ضي كلِّ كلامها عن الأطفال، بلاش أكسرها..أنا مش عايز عطف من حد.

سقط الصمت بينهما ثقيلًا، صمتًا يئنُّ من شدَّته.

ميرال تشعر أنَّ قلبها يُعصر بين ضلوعها، ويوسف يجلس أمامها ثابتًا، لكنَّه من الداخل يتهاوى قطعةً قطعة.

في تلك اللحظة…

لم يكن ابنها يطلب منها وعدًا.

كان يسلِّمها سرًّا أثقل من قدرتها على الاحتمال،

وسكِّينًا خفيًّا ستظلُّ ممسكة به وحدها…حتى لا يُجرح به قلبٌ أخرى.




صمتت ميرال بألمٍ يثقل قلبها.. احتضن كفَّيها:

_أوعديني يا أمِّي.

_أوعدك حبيبي، وإنتَ كمان أوعدني ماتبعدش عنِّي.

ابتعد وتنهَّد بوجع:

_لو راضية بألمي مش هبعد عنِّك.

خرج من منزل والده كمن يهرب من نفسه، تتلاحقه أفكاره كظلال ثقيلة لا تتركه. خطوات ثقيلة مثل نبض قلبه، اتجه إلى منزل عمه بلا وعي، كأن قدميه تحفظان الطريق أكثر مما يحفظه عقله.. ليلة واحدة وقد اشتاق اليها، حبه اليها جعله يقف بمنتصف الطريق، لا يعلم كيف القرار... دلف للداخل، وجدها جالسة في الحديقة، ملامحها ساكنة، تنظر بنقطة وهمية،  اقترب منها، وجلس بجوارها بصمت متوتر.

_صباح الخير، ليه نمتي هنا؟

رفعت عينيها إليه ببطء… نظرات موجعة، تخترق صدره دون رحمة. تنهد وسحب نفسًا عميقًا كأنه يحاول أن يطرد الاختناق من داخله.

_ ضي…

قاطعته بصوت مبحوح:

_ يوسف… أنا تعبانة… ومبقتش قادرة أثق فيك.

وضعت كفيها على صدرها، تضغط على موضع قلبها كأنها تحاول تهدئته من الألم.

_ قلبي وجعني أوي… وكل يوم خوفي إنك تختفي من حياتي بيزيد.

بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت متكسر:

_ ضي… مش إنتِ بتقولي إنك بتحبيني؟

نظرت إليه بعينين دامعتين:

_بحبك دي قليلة … بس حقي أكون أم من الراجل اللي بحبه.

شعر وكأن الكلمات نُزعت كسكاكين من صدرها وغُرست في قلبه مباشرة.

_ يعني أهم حاجة إنك تكوني أم؟

هزت رأسها برفق، والدموع بدأت تتجمع في عينيها:

_ يوسف حبيبي… هو إيه في الحياة غير بيت مليان ضحك من الأطفال؟

احتضنت كفيه بين يديها المرتعشتين، وكأنها تتشبث بحلمها الأخير.

_ لو سمحت يا يوسف، بلاش تحرمني من أحسن نعمة… أنا بنام وبحلم إن يبقى عندنا أطفال. مش نفسك تسمع كلمة "بابا"؟

رفعت كفيها واحتضنت وجهه، تنظر إليه بحب نقي موجع:

_ هتبقى أحن أب في الدنيا، أنا واثقة… بشوف فيك عمو إلياس، شوفته قد إيه حنين معاك ومع شمس… تخيل لما يبقى عندنا طفل أو طفلة، يجري عليك ويقولك:

_بحبك يا بابا.

ورغم ارتجاف صوتها ، لكنها ابتسمت وسط دموعها:

_ نفسي في ولد وبنت… والولد يكون شبهك أوي.

كانت كلماتها تتساقط عليه كطلقات لا ترحمه. نظر إليها كالغريق الذي لا يعرف كيف يطلب النجدة. عينيه امتلأتا بدموع حارقة حاول حبسها بشدة.. ولكنه فشل، فنهض سريعًا بعدما أبعد كفيها، فقد السيطرة على نفسه، وشعر أن الهواء اختفى من حوله واختنق

تحرك مبتعدًا بخطوات مضطربة.

انتفضت واقفة بسرعة، ولحقت به، وقالت بصوت ينهار:

_ يوسف! علشان خاطري بلاش تحرمني أكون أم… بلاش توصلني لاختيار صعب.

لم يلتفت. قال بصوت مخنوق:

_ عندي شغل… لازم أمشي. اعملي اللي إنتِ عايزاه يا ضي.

تحركت بسرعة لتقف أمامه، وعيناها لمعتا فجأة بفرحة مشتعلة وسط دموعها:

_ هنروح للدكتور صح؟ إنت بتحبني… ومش هتفكر تحرمني من كده.

نظر إلى عينيها طويلًا… غرق في لمعتهما… في سعادتها التي تبنى على وهم يقتله من الداخل.

صمت.. صمت ثقيل كالرصاص على صدره، يسحب أنفاسه بصعوبة..همس أخيرًا، بالكاد:

_ لازم أمشي…

ثم استدار وغادر المكان مسرعًا… كأنه يهرب من حبها، ومن حلمها، ومن حقيقة يعرف أنه لا يملك الشجاعة ليقولها.




استقل سيارته وانطلق بها خارج البوابة

وقفت تتابع مغادرة سيارته حتى تلاشت في آخر الشارع، وهمست بوجع مكتوم:

_ اهرب يا يوسف. هشوف آخرتها

وصلت والدتها بعد دقائق

_ يوسف مشي؟ شوفته خارج بالعربية.

أومأت بصمت وجلست على الأريكة كأنها فقدت قدرتها على الوقوف. جلست  غرام بجوارها، تتأمل وجهها الشاحب وعينيها المرهقتين.

_ انتي زعلانة من جوزك؟!

ابتسمت ابتسامة باهتة موجوعة.

_ مش زعلانة يا ماما… بس موجوعة منه.

تجعدت ملامح غرام بقلق.

_ يعني إيه موجوعة؟

أغمضت عينيها لحظة، وكأنها تستدعي شجاعة الكلمات.

_ رافض الولاد… مش عايز يبقى عندنا طفل.

شهقت  بعدم تصديق.

_ لا… يوسف عاقل، عمره ما يفكر كده!

أراحت رأسها للخلف، والذكريات تتدفق عليها ليلة زفافهما

_ للأسف يا ماما… يوسف الماضي لسه عايش جواه، ولسه مسيطر عليه.

_ بس ده مش من حقه يا بنتي… حاولي تقربي منه أكتر، فهميه إنك أمانه، حسسيه إنك مش هتكسريه.

انكسرت نبرتها وهي تهمس:

_ تعبت يا ماما… اتكلمت كتير. كل مرة أحاول أقرب، ألاقيه بيبعد خطوة. أنا خايفة… فجأة ألاقي نفسي لوحدي.

اتسعت عينا غرام

_ لوحدك إزاي؟!

ارتمت برأسها على صدر أمها، وبكت بحرقة.

_ دايمًا بيحسسني بكده… امبارح شوفت إيميل عن فرصة سفر، ولما سألته قالي مجرد فكرة ورفضها. والنهاردة سمعته بيكلم طنط ميرال وبيقولها إنه عايز يسافر… أنا خايفة يا ماما… خايفة يسيبني ويمشي.

بفكر أجيب طفل… يمكن الطفل يربطه بيا… يمكن يخليه يفكر ألف مرة قبل ما يسيبنا.

مسحت والدتها على شعرها بحنان.

_بس هو كان عايز يسافر زمان عشان ما كانش عايز يتجوز… دلوقتي متجوز وبيحبك. إيه اللي يخليه يهرب؟

شهقت بين دموعها.

_ معرفش… ساعات بحس إنه مستحيل يبعد عني، وساعات بحس إنه عايز يتخلص مني… كأني حمل عليه.

وقبل أن ترد ميرال،  نطقت غرام بمرارة:

_ مالكم يا ولاد أرسلان؟! واحد اتجوز على مراته… والتانية جوزها عايز يهرب منها!

قاطعهما صوت أرسلان خلفهما.

_ جوز مين اللي يهرب؟

التفتت غرام إليه بعينين تلمعان بالغضب، ونهضت دون أن تعيره اهتمامًا. أمسك بذراعها محاولًا تهدئتها.

_ إحنا مش صغيرين يا غرام… اللي بتعمليه ده غلط.

نفضت يده بعنف، وصاحت لأول مرة بصوت غاضب:

_ والغلط إنك تجبر الواد يتجوز بنت يزن! والغلط إنك تخليه يتجوز على مراته من غير ما أعرف! أنا دوري فين بين ولادي يا أبو ولادي؟!

ابنك فين دلوقتي؟! ابنك بقى متهم في عيون الكل… قولتلك قبل كده رولا مش هتنفعه

ارتجف صوتها وهي تكمل بمرارة:

_ مبسوط كده وهي أهانته قدام الناس؟! مبسوط وهي حرمته من ابنه حتى من غير ما يعرف؟!

البنت دي مستحيل تدخل بيتي تاني… سامعني؟!

اقتربت منه ودموعها تسقط بحرقة.

_ لو عايزني ما أزعلش منك… رجّع لي ابني يا أرسلان. هو ملوش ذنب. الاتنين متهمين… والذنب الوحيد إنه حاول يبقى راجل




قالتها ودلفت إلى الداخل بخطوات سريعة،

وقفت ضي لحظة، ثم اقتربت من والدها بهدوء، وعيناها تحملان مزيجًا من الحرج والتعاطف.

_ متزعلش منها يا بابا… لما عرفت اللي رولا عملته، وحقيقة جواز بلال، اتكسرت. ومن حقها تزعل… حضرتك كان لازم تقولها… دي ماما قبل أي حاجة.

تنهد أرسلان بعمق، لكنه لوّح بيده متجنبًا الحديث.

_ سيبك من أمك… وقوليلي مال يوسف؟

ترددت لحظة، ثم قالت بصوت خافت:

_ مالوش… بس مش عايز أطفال.

رفع حاجبه ساخرًا، يحاول أن يخفف ثقل الموقف بطريقته المعتادة.

_ زعلانة ومقموصة علشان مش عايز أطفال؟! ما تجيبي أطفال يا أختي… هو هيقتلهم يعني؟! إيه الجنان اللي عندي ده يا رب!

رمقته بضيق طفولي، وهمست:

_ أجيبهم إزاي لوحدي يعني؟

اتسعت عيناه بدهشة، ثم هتف متصنعًا الصدمة:

_ طيب اتكسفي من أبوكي يا بنت أرسلان! إيه الوقاحة دي! لا وكمان أمك زعلانة من رولا… تيجي تسمع بنتها بتقول إيه!

ضحكت رغم خجلها، واقتربت تدفن رأسها في صدره كطفلة تبحث عن الأمان.

_ بس بقى… كسفتني.

ضحك وهو يربت على رأسها بحنان دافئ.

_ مش لايق عليكي الكسوف يا بت… دي انتي لو طايلة تبقي معاه في المستشفى مش هتتأخري دقيقة.

ابتعدت قليلًا، تنظر له برفع حاجب مصطنع الغضب.

_ الله! مش بحب جوزي يعني؟! عايزني أسيبه يتخطف؟

هز رأسه بمبالغة:

_ لا يا أختي إزاي… اربطيه جنبك… ولا أقولك اعملي له عمل!

ابتسمت بخبث وهي تهمس:

_ مالك يا أرسو… غيران من جوزي ولا إيه؟

قلد نبرتها وهو يضحك:

_ غيران؟! هو ده يتغار منه؟! جتك نيلة فيه… ده شبه السرنجة!

انفجرت ضي ضاحكة بصوت صافٍ، فظل يتأملها بحنان صامت.

كان قلبه موجوعًا عليها منذ الليلة الماضية… حين رأى الخوف يسكن عينيها، رغم محاولاتها التماسك.

اقترب منها فجأة، وجذبها إلى حضنه بقوة أبوية دافئة، وهمس بصوت أكثر جدية:

_ لما بتحبيه أوي كده… ينفع تباتي بره بيتك؟

رفعت عينيها إليه بسرعة.

_ أنا كنت زعلانة علشان بلال… حضرتك مشفتش ماما كانت عاملة إزاي.

رفع ذقنها برفق، وأجبرها تنظر في عينيه.

_ بتكذبي على بابا يا ضي… وأنا حافظ عيونك كويس.

متبعديش عن جوزك تاني… ومشاكلكم خليها بينكم. ما تطلعش حتى لجدتك… جدتك هي اللي حكتلي.

ارتبكت، بينما تابع بصوت يحمل حزمًا ممزوجًا بالحنان:

_ ما ينفعش تفضحي جوزك بالطريقة دي… وانتي عارفة يوسف كان عامل إزاي وبقى عامل إزاي. الراجل ده اتغير علشانك… وبدل ما تفضلي تضغطي عليه في موضوع الولاد وهو رافض، قربي منه… خلي يحبك أكتر… خلي يتعلق بيكي زي تعلق الإنسان بالهوا… وقتها هو اللي هيتحايل عليكي.

توقفت دمعة عند طرف عينها، بينما أكمل بنبرة أهدأ:

_ صدقيني… ما فيش راجل مش نفسه يبقى أب. بس يوسف لسه شايل جرح من الماضي… ولسه خايف. وانتي أكتر واحدة فاهمة ده.

أومأت بصمت، ثم همست بصوت مرتعش:

_ أنا بس خايفة يسافر يا بابا…

ابتسم وهو يربت على خدها.

_ يسافر إيه يا مجنونة… ارجعي بيتك، وارجعي شغلك، واقتنعي إن كل حاجة نصيب. ولو ليكم نصيب في طفل… لا طلبك ولا رفضه هيغيروا المكتوب.

ابتسمت أخيرًا وسط دموعها، واقتربت تقبّل وجنته بحب.

_ انت أحسن أب في الدنيا.

احتضن وجهها بكفيه، وقال ضاحكًا ليخفف عنها:

_ وانتي أحسن مرات أبو سرنجة في الدنيا.

ضحكت وهي تمسح دموعها، بينما ظل يراقبها بقلب أب يخشى عليها من الحياة




وصل يوسف إلى مقهى مطل على النيل، أوقف سيارته بعصبية لم يحاول حتى إخفاءها، ثم ترجل بخطوات سريعة.

عيناه تبحثان… حتى وجده جالسًا وحده، يحدق في فنجان قهوته كأنه يرى فيه بقايا حياته.

سحب يوسف مقعدًا وجلس أمامه دون مقدمات.

_عامل إيه؟

رد بلال بصوت خافت، بلا روح:

__ كويس…

مد يوسف يده وسحب فنجان القهوة من بين أصابعه.

_ كنت فين امبارح؟ اتصلت بيك كتير.

_كنت في شقتي.

تجمدت ملامح يوسف.

_ شقة إيه…؟ أوعى تقول الشقة.

أومأ بلال بصمت، وأدار وجهه ناحية النيل، كأنه يهرب من المواجهة.

سكت يوسف لحظة، ثم قال بحدة مكتومة:

_ ليه قولت لعمو إنك طلقتها؟

تنهد بلال.

_ مفيش… كان ضاغط في الموضوع.

ضرب يوسف الطاولة بخفة.

_ أنا مبقتش فاهمك يا صاحبي.

رفع بلال عينيه، يطالعه بنظرة رجل أنهكه الصراع.

_ هتصدقني لو قلت لك إني مش عارف أنا عايز إيه؟ كل اللي حاسس بيه خراب من جوايا… حاجة مكسورة ومش عايزة تتصلح.

لان صوت يوسف رغم غضبه.

_ اعذرها يا بلال… هي حست إنك غدرت بيها.

أغلق بلال عينيه لحظة.

_يوسف… ممكن مانفتحش الموضوع ده؟

مد يوسف يده وربت على كفه

_ طيب… المهم. هترجع إمتى؟

جاء الرد قاطعًا:

_ مش راجع.

تصلب يوسف.

_ يعني إيه مش راجع؟

_ قررت أعيش بره خلاص. مش هرجع الكمبوند تاني.

_ إنت اتجننت!

ابتسم بلال بسخرية باهتة.

_ لأ… كده العقل. وعلى فكرة… ناوي أوثق جوازي من كارما.

اندفع يوسف للأمام.

_لا… كده كتير وبتستهبل! بلاش تعالج الغلط بغلط.

_أنا من الأول كنت ناوي أعمل كده. خلاص قررت.

_ وتفتكر أبوك هيوافق؟

_ دي حياتي… ومحدش له يدخل فيها.

أخرج ورقة  ودفعها ناحية يوسف.

_ دي ورقة طلاق بنت خالك… ابعتها لها.

نظر يوسف للورقة وكأنها صفعة.

_ ليه كده يا صاحبي؟

تمتم بلال بصوت مكسور رغم محاولته الثبات:

_ حقها… تلاقي الراجل اللي يستاهلها.

_ هي بتحبك يا بلال! سيبك من كلام الغضب… كانت محروقة وقالت كلمتين.

اشتعلت عينا بلال فجأة.

_ لما مراتك اللي معتبرها حياتك تقل من رجولتك… ساعتها تعالى قولي كلمتين!

سكت يوسف لحظة، ثم قال بهدوء موجوع:

_ هتسيب حبك علشان لحظة غضب؟

ابتسم بلال بمرارة.

_ مش أحسن ما أقل بنفسي؟ لو ترضهالي… قوم معايا دلوقتي وخليني أعتذر لها.

لم يجد يوسف ردًا.

_ بلاش موضوع كارما ده… هتظلمها معاك.

_ بالعكس… كارما غلبانة وطيبة. محتاجة حد يحسسها بالأمان.

نظر له يوسف بعمق.

_ وإنت محتاج إيه؟

صمت بلال لحظة، ثم بصق كلماته كاعتراف:

_ محتاج أرجّع رجولتي اللي بنت خالك داست عليها.

_ بالجواز؟! بلال… بالله عليك.

أخفض بلال صوته:

_ أنا تعبان ومش قادر أتكلم. الموضوع انتهى. وكده كده هي مراتي… يمكن ألاقي عندها اللي ضيعته بقالي سنين.

_ إنت بتجني على تلاتة!

_ كارما محتاجة أمان… وأنا محتاج أعيش بعد ما موت.

تردد يوسف قبل أن يسأل:

_ ورولا؟ مفكرتش فيها؟

ضحك بلال بسخرية جارحة.

_ لا، متخافش. مش هيفرق معاها. أنا أصلًا مكنتش قد المقام للمدام.

ثم نظر له مباشرة:

_ هتيجي تشهد على العقد؟ ولا أجيب حد تاني؟

_ بالسرعة دي؟! يعني بدل ما كنت هتطلقها… هتتجوزها رسمي؟

_ نصيب يا ابن عمي… ومحدش بيختار نصيبه.. وبعدين مش دلوقتي الجواز، عندي مؤتمر طبي اسبوع، ايه مش هتحضر

_بتاع شرم

اومأ له بلال

_لا.. ماليش مزاج... يعني اخر قرار جوازك من كارما

_إن شاءلله، عرف باباك وعمك، علشان ماينصبوش محكمة،  انا غلطت اني كملت جوازي من بنت خالك.. تمتم بها بوجع

_ليه بتقول كدا يابني؟!

_هي مش غلطانة، لانها قالت لي قبل كدا، اني مش طموحها، تعرف يااخي اني مقرف اوي

_بلال ايه اللي بتقوله دا.. انت بس علشان مضايق

اقترب بجسده ونظر ليوسف:

_صدقني انا مش شايف نفسي غير شخص مقرف وضعيف، ضعف لشهواته ونسي رجولته

_اسكت يابلال، بطل كلام احسن

نهض من مكانه، ثم أضاف وهو يرتدي نظارته:

_ فيه رسالة توصلها لخالك… قوله بنته كانت نظيفة ومحدش لمسها. وكانت تعرف من قبل جوازنا.

شهق يوسف، وكأن الأرض سُحبت من تحته.

_ يعني إيه؟!

_ سلام يا دكتور… عندي شغل.  يبقى حاسب على القهوة.. توقف واستدار اليه مقتربًا

_قولها.. اسف لاني وصلتها للمرحلة دي، انا غلطان لانها كانت صح، ولو يرجع بيا الزمن مش هبص في وشها، لانها تستاهل راجل، لاني انا اللي عملت في نفسي كدا واتنازلت عن رجولتي... قالها

غادر بخطوات ثابتة تخفي انهياره، بينما ظل يوسف جالسًا، ينظر لورقة الطلاق التي بيده.. ضغط عليها بغضب

_واحدة غبية ومتخلفة.. تذكر حديثه ثم همس بصدمة:

_ يعني كانت بتضحك علينا؟ ليه… ليه عملت كده؟

قطع أفكاره رنين هاتفه.

نظر إلى الشاشة…وجدها ضي.

تردد لحظة، ثم أغلق الهاتف.

نهض ببطء وغادر المكان




بعد شهر..

ابتعد بلال عن كمبوند الشافعي بالكامل، ورغم ذهاب والده ويوسف إليه إلَّا أنَّه رفض العودة..بينما ظلَّت رولا غارقة بنومها بمهدِّئات، بعدما ارسل اليها ورقة طلاقها، ومكوثه عند غريمتها،

إلى أن جاءت تلك الليلة التي انهارت أحلام البعض، وبقي للبعض أملًا رغم الصراع.

بمنزل كارما..

دلفت إليها، وجدتها جالسة على فراشها تنظر بشرود بنقطةٍ وهمية، اقتربت منها:

_كارما إنتي لسة مجهزتيش؟

رفعت رأسها إليها:

_أنا مش هخرج.

شهقت كندا واقتربت منها:

_إنتي مجنونة يا بنتي، يالهوي دا أنا عزمت صحباتي كلُّهم علشان المناسبة دي!.

_مناسبة، إنتي تقصدي إيه؟

_يوه بقى يا كارما، يا حبيبتي عيشي حياتك، اتبسطي..ربِّنا بعتلك راجل زي دا، مفكَّرتيش، مش ممكن يكون عوض.

_عوض، أنا خربت بيته، وبتقولي عوض.

_لا ياحبيبتي، إنتي مالكيش دعوة بحاجة، مراته اللي غبية، ومقدَّرتش النعمة.

_اسكتي يا كندا، إنتي متعرفيش حاجة.

_أنا كلِّ اللي أعرفه، ربِّنا بعت لك عوض، المفروض تتمسِّكي بيه، وبعدين هوَّ لو مش شايفك كويسة مكنش طلب منِّك توثَّقوا الجواز عند مأذون، ودلوقتي عازمك على العشا.




بمنزل يزن وخاصَّةً بغرفة رولا..


كانت تجلس بشرفتها تنظر بشرود، شحبت ملامحها وأصحبت جسدًا بلا روح، استمعت إلى هاتفها عدَّة مرَّات... دلفت آسيا تحمل كوبًا من اللبن:

_مساء الورد يا وردة.

رفعت عيناها إليها:

_مساء النور.

سحبت آسيا الهاتف تقرأ الاسم المدوَّن:

_ مين كندا اللي بتتِّصل دي، خاصِّية التليفون جايبة الاسم.

_مش عايزة أكلِّم حد يا آسيا.

_ردِّي يا بنتي يمكن مرات أخوكي السنتيمتر عايزة تضايقني.

سحبت الهاتف لتخلص من ذنِّها:

_أيوة.

_رولا ياريت تسمعيني وماتقفليش، رجاءً مش كلِّ مرَّة تقفلي باب سعادتك.

_إنتي عايزة إيه؟

_لو لسة باقية على جوزك تعالي على العنوان دا، والله العظيم مفيش بيني وبينه أي حاجة، أقسم لك بالله جوازي منُّه كان لإنقاذي، افهمي متبقيش غبية، جوزك بيحبِّك وبيعاقب نفسه قبل مايعاقبك، ولآخر مرَّة بحاول أفهِّمك، لأنِّك لو مجتيش هنكتب كتابنا عند مأذون، بلال مبقاش بلال اللي تعرفيه...



ارتفعت انفاسها، وغامت عيناها بالدموع، الى أن انسابت بكثرة.. جلست اسيا بجوارها

_مين دي، وكانت عايزة ايه؟!

ارتجف قلبها قبل جسدها تهمس بانكسار

_هيدبحني، بلال هيدبحني ويتجوزها، قالتها ببكاء مرتفع

_هيتجوزها، قالت هيتجوزها

دلفت رحيل على صوت ابنتها

_فيه ايه

نظرت لوالدتها ودموعها تنساب

_دا العقاب اللي بابا بيقول عليه ياماما، طيب ليه يعمل فيا كدا، امسكت كف والدتها

_كلمي بابا ياماما، قولي له مايعملش فيا

_انا مش فاهمة حاجة.. تسائلت بها رحيل

_بلال هيكت كتابه على البنت اللي جت من كام  يوم... قالتها اسيا

صمتت رحيل تنظر إلى ابنتها

_باباكي عمره مايعمل كدا، هو قالك انك غلطانة، لانك قولتي كلام مينفعش بنت محترمة تقوله، زعلان من بلال ليه، حطي نفسك مكانه، والبنت جت وحلفت لك مفيش حاجة بينهم، انتي عملتي ايه

اهانة ورا اهانة،  دا مش عدوك علشان تتكلمي عنه كدا، حتى لو مكسورة، صدقيني هتخسري كتير اوي، اسأليني انا

_على مااظن يااسيا البنت اللي اتكلمت دي لو عايزاه مكنتش اتصلت.. خليكي ورا عنادك عياطك مش هيعمل حاجة

قالتها وخرجت رحيل تدعو الله ان يلين عقلها قبل قلبها..



صباحًا بمنزل يوسف

كانت تعمل على جهازها.. فجأة رأت رسالة على ايميل يوسف.. ضغطت وفتحتها، قرأت محتواها، ارتفعت دقاتها بعنف، وتكورت الدموع بعيناها... شعر ببرودة احتلت اعصابها، حتى فقدت الحركة، ظلت بمكانها فترة ليست بقصيرة... بعد عدة

دلف إلى الغرفة…فتسمَّر مكانه.

ليس ذهول جمال، بل دهشةُ رجلٍ وجد قلبه واقفًا أمامه على هيئة امرأة.

كانت تقف تحت ضوء الشموع، الإضاءة تنساب على ملامحها فتجعلها أيقونة جمال خالص، كأنَّ الضوء خُلق ليعلنها، تنحت ملامحها بنعومة، وتجعلها أيقونة، اقترب خطوة…ثم أخرى، وعيناه تلمعانِ بشيءٍ أعمق من الإعجاب، شوقٌ مُرهَق، وعشقٌ يصرخ، أنا أموت هنا، بل أنا أحيا هنا..ابتسم وعيناه تلتهم ملامحها:

_ لا…قلبي ضعيف قدَّامك.

تحرَّكت نحوه بدلالٍ مدروس.

فستانها ينساب عليها، بل يحتضن أنوثتها بثقة امرأةٍ تعرف مكانتها في قلبه.

توقَّفت أمامه، نظرت في عينيه طويلًا.

حاوطت عنقه، ارتفعت على أطراف أصابعها، قبَّلت خاصَّته قبلةً خفيفة، لكنَّها كانت ممتلئة باعتذارٍ غير منطوق:

_ عجبتك؟

قالتها بصوتٍ فيه رجاء أكثر من دلع.

لفَّ ذراعيه حول خصرها، وطاف بنظره أرجاء الغرفة، يحاول فهم هذا الدفء المفاجئ.

_ المفاجأة حلوة قوي…بس قوليلي، المناسبة؟

تراجعت بخطواتها الحافية، قلبها يسبق قدميها، وأشارت إلى الطاولة ثم عادت تنظر إليه:

_ هوَّ لازم مناسبة علشان أقولَّك إنَّك وحشتني، وأعرَّفك إنِّي بحبَّك قوي.

انعقد حاجباه، وخرج صوته مشوبًا بالحذر:

_ إحنا…مش كنَّا متخانقين؟

لم ترد.

اكتفت بتشغيل الموسيقى، لحنًا هادئًا ممزوجًا بالرومانسية، ثم مدَّت كفَّيها نحوه، وعيناها تلمعان بالحب:

_ الليلة دي ليلتك…تؤمر وأنا أنفِّذ. وصدَّقني، هخلِّيها ذكرى مستحيل تتنسي.

شدَّها إليه، وضمَّها بقوَّة بين ذراعيه:

_ مفيش بينَّا حاجة اتنست، كلِّ اللي يخصِّك محفور في قلبي.

أغمضت عينيها داخل صدره، تنفَّست بعمق، وهمست بصوتٍ مرتجف، صادق، خالٍ من الزينة:

_ علشان كده الليلة دي غير…غير أي ليلة عشناها مع بعض، هتندفن في ذاكرتك، هدية من مراتك…اللي حبِّتك أكتر من اللازم.

بعد عدَّة ساعات..

فتح عيناه وجدها تجلس على أحد المقاعد تنظر إلى نومه الهادئ.

_صباح الخير حبيبي.

نهضت من مكانها وقالت؛

_صباح الخير..محبتش أمشي وإنتَ نايم.

اعتدل ينظر بساعته:

_تمشي تروحي فين، لا مفيش شغل النهاردة، ناوي أخطفك يومين.

زمَّت شفتيها بسخرية، ثم اتَّجهت لحقيبتها ورفعت هاتفها:

_اطلعي نزِّلي الشنط.

قطب جبينه ينظر إلى الحقائب بجوارها:

_إيه الشنط دي ورايحة فين؟

استدارت تنظر إليه:

_همشي يا يوسف، علشان مبقاش عقبة في حياتك، جوازنا من الأوَّل كان غلط، اقتربت منه وجلست على طرف الفراش مع طرقات الخادمة ثم دخولها.

_أشارت ضي إلى الحقائب:

_ودِّيهم بيت بابا.

تحت أمرك يا هانم.

التفتت تنظر إلى ذهوله ثم قالت:

_قدَّامك حلِّين مالهمش تالت يا بن عمِّي..

أوَّل حل لازم توافق إنِّنا نجيب أطفال، ياإمَّا تطلَّقني يا يوسف، أنا مبقتش أحسّ بالأمان معاك..أه وبلاش ترسم عليَّ إنَّك رفضت السفر علشاني، لأنِّي شوفت الفاكس اللي جالك...نهضت من مكانها:

_الحلِّ عندك يا دكتور، ياورقة طلاقي، يا استقرار لحياتنا.

قالتها وانسحبت للخارج..

تكملة الرواية من هناااااااا 

لمتابعة باقي الروايه زورو قناتنا علي التليجرام من هناااااااااا

بدل ماتدور وتبحث علي الروايات عمل 

متابعه لصفحتنا على فيس بوك هنااااااااااا

الرواية كامله الجزء الاول من هناااااااااا

الرواية كامله الجزء الثاني من هناااااااااا

مجمع الروايات الكامله اضغط هناااااااا

مجمع الروايات الكاملة 2 اضغط هنااااااا





تعليقات

التنقل السريع